الشرور الكامنة

172

الوحدة :٢٠-٩-٢٠٢٢

يعيش الكائن البشري حالات غريبة من التناقضات في كثير من الأوقات، حتى لا يكاد يتعرف إلى نفسه أحياناً، ويحس بأنه أمام شخص آخر يلتقيه للمرة الأولى ولا يدرك طبيعته السلوكية ولا يستوعب أفكاره المشوهة المخيفة، فلا يستطيع هزيمته إلا باستحضار كل أسلحة وعيه التي تكبح جماح انفلات الآخر من عقله وغالباً ما يعاني المرء حالات صراع عنيف بين تيارين في داخل نفسه ،تيار الخير والعطاء ، وتيار الشر، والجشع والأنانية ، وكلما تمكن من السيطرة على الثاني إلى جحره بين تلافيف الدماغ ويغفو بعمق حتى توقظه بعض المؤثرات الخارجية المختلفة ولأن الإنسان كائن عاقل (كما يقال ) فقد فضل الخير بمفهومه الواسع ، وابتكر الكثير من الضوابط التي تلجم شروره الكامنة ، وبالتالي وضع لنفسه خطاً واضحاً يسير عليه حتى لا تتحول المجتمعات إلى غابات يأكل القوي فيها الضعيف ويستولي على حقه في الاستمتاع بالحياة؟
ولكن الأمر لا يستقيم على هذا المنوال في حالات عديدة ، إذ إن كثيراً من الكائنات البشرية تستمرئ الاستسلام للمتعة التي قد يحصلون عليها من خلال التسلط على الآخرين ، والفوز بما يشتهون عبر القوة الجسدية أو الاقتصادية أو السياسية.. إلخ . وبالتالي يبقون تحت رحمة الجانب المظلم ، إذا لم يساعدهم أحد أطباء علم النفس البارعين إلا أن خطورة هؤلاء قد تكون أخف من الذين يظهرون الوجه البشوش الوديع ثم يتحولون فجأة إلى وحوش كاسرة تفتك بمن حولهم لسبب أو من دون سبب گقصة طبيب بارع طيب القلب، يقدم خدماته للناس من دون مقابل لكنه يتحول ليلاً إلى سفاح سافل يعيث فساداً في الشوارع والبيوت ليعود صباحاً إلى شخصيته الأولى دمثاً رقيق القلب…. ولكن ما يحزن بشخصيته أنه كان يحاول ابتكار عقار يثبط الجانب السلبي لدى البشر حتى يخلص العالم المجتمع من المآسي والمشكلات وحين يفشل في الحصول على المتبرع يجربه على نفسه وهنا تحدث المأساة إذ يعطي العقار تأثيراً معاكساً فيؤجج نار الشر بدل أن يطفئها ويحول الطبيب اللطيف إلى مجرم سفاح. فتبدأ معاناة رجل منشطر إلى شخصين خير وشرير تنتهي بانتحار الطبيب، والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن في هذا المقام هل صحيح أنه لا يمكننا الانتصار على شرورنا الداخلية الكامنة إلا بالموت ؟!! لا أعتقد ذلك فالإرادة والعلم قادران على فعل المستحيل.

لمي معروف

تصفح المزيد..
آخر الأخبار