قارب إنقاذ أم منارة ؟

الوحدة 28-11-2022

إن ردّ الفعل التلقائي الذي نقوم به عندما يستدعينا صديق لمساعدته في أزمة ما، هو القفز في قارب إنقاذ والاتجاه بسرعة نحوه. فعندما يتحقق شرط المحبة تندفع لإنقاذ الشخص المأزوم، لكن هناك وجهة نظر تعارض مثل هذا الموقف وتطالبنا بالوجود مع هذا الشخص من دون أن نحمل عنه مسؤولية الأزمة. والعمود الفقري لهذا الموقف يبنى على أن لكل منا رحلته الخاصة في الحياة، وتطوره الروحي الذي لا يمكن لآخر أن يقوم به نيابة عنه، وأن تدخلنا الأبوي أو الأمومي من شأنه أن يعوق رحلة الآخر ويقلص من نموها، هل تتذكرون طريقة معاملتنا لأطفالنا حين نحول بينهم وبين الأذى طوال الوقت، سواء أكان أذى جسدياً وهم صغار السن أم آلام نموهم النفسي إذ يكبرون! وكما نعرف جميعاً أن الأطفال الذين يتربون في مثل تلك البيئات التي توفر حماية مبالغاً فيها يفقدون قدرتهم على التحدي والمثابرة والوقوف من جديد بعد السقطات. هذا لا ينفي بأي شكل من الأشكال أن نوجه ونعطي نصائح من خبراتنا، ولكن في نهاية الأمر لن يبتعد طفلنا عن النار إلا بعد أن تلسعه لسعاً خفيفاً. إن أية تجارب مؤلمة نمر بها في النهاية من خلقنا نحن، وإن المسؤولية تقع على عاتقنا، لأن ما نمر به من تجارب ليس إلا انعكاساً لما بدواخلنا، من يحركه الغضب وعدم الرضا والمرارة طوال الوقت يجذب إليه تجارب تثير فيه المزيد من الغضب وعدم الرضا والمرارة. فمن يؤمنون بطيبة الحياة وكرمها حتى في قلب الألم والحزن والانكسار، فهم يجذبون أيضاً بشكل طبيعي طيبة وكرماً مماثلاً لما في دواخلهم، لذلك فإن قدراً من المسافة العاطفية هو أمر مطلوب عندما نستدعى للمساعدة في الأزمات.. إنه أمر يتطلب تحقيق توازن دقيق إذ نمنح حباً ونوراً يضيئان عتمة تجربة الآخر، لكننا يجب ألا نقفز في قارب الإنقاذ، والأكثر فائدة لهذا الشخص هو أن نخبره أننا نثق بقدراته على التحدي والخروج من الأزمة وقد تعلم شيئاً جديداً، وخطت روحه خطوة أخرى في اتجاه الفهم والنضج والحكمة. تؤكد بعض الاتجاهات الفكرية الحديثة في مجالات علم النفس وتنمية الموارد البشرية، أن العالم وتجاربنا معه هو انعكاس لدواخلنا، إذاً فلنترك التجارب تأخذ دورتها كاملة! لأن من خلال عبور بوابات الألم برضى ويقين نرى أن الأزمات التي نمر بها من شأنها أن تجعل منا بشراً أنضج وأكثر حكمة و دواخلنا ممتلئة بالحكمة والفهم اللذين يولدان رضى من شأنه أن يعكس دورة الحياة لمصلحتنا.

لمي معروف

 

تصفح المزيد..
آخر الأخبار