حرفة حياكة الصوف في اللاذقية.. بين أصالة الماضي وواقع التحديات المعاصرة

الوحدة- نجود سقور

يُعد سوق الصوف في مدينة اللاذقية واحداً من أقدم الأسواق التي عُرفت بحرفتها اليدوية المميزة التي ارتبطت بالذاكرة الجماعية للسكان المحليين.
ورغم تاريخ هذا السوق الممتد لأكثر من خمسين عاماً، إلا أنه يواجه اليوم تحديات كبيرة تهدد باندثار الحرفة واندماجها في العصر الحديث، في وقت تزايد فيه الإقبال على الملابس الجاهزة التي تنافس العمل اليدوي من حيث التكلفة والوقت.
مهنة تتراجع تدريجياً
يعود تاريخ سوق الصوف في اللاذقية إلى عام 1970، حيث بدأ هذا السوق يزدهر بشكل كبير، إلا أنه اليوم يشهد تراجعاً ملحوظاً، فهد، صاحب أحد المحلات في السوق الذي عمل في هذا المجال لأكثر من أربعين عاماً، يوضح أن السوق شهد انخفاضاً في عدد المحلات، حيث لم يبقَ من أصل 15 محلاً سوى 3 محلات فقط. يقول فهد: “الطلب أصبح قليلاً جداً، ولم يعد الناس يتوجهون لشراء الصوف كما في السابق، مما دفع العديد من أصحاب المحلات لتغيير نشاطاتهم التجارية.”
يضيف فهد إن هذا التراجع يعود إلى عدة عوامل، أبرزها دخول الملابس الجاهزة إلى الأسواق، التي أصبحت تنافس العمل اليدوي في السعر والوقت، ويتابع بأن معظم خيوط الصوف المتوفرة في السوق تأتي من دمشق، يأتي بها التجار من تركيا والصين بسبب رخص أسعارها مقارنةً بالصوف الأوروبي الذي ارتفعت أسعاره بشكل كبير.
أما بالنسبة للأسعار، فقد أشار فهد إلى أن تكلفة خيط الصوف قد تراوحت مؤخراً بين 20 إلى 23 ألف ليرة سورية لمكب الصوف الواحد وزنه 100غرام، وهو ما اعتبره رخيصاً مقارنةً بما سبق.
وعلى الرغم من أن الأسعار تعتبر أرخص من قبل قياساً بالدخل، إلا أن الطلب يظل ضعيفاً، ما جعل العديد من المحلات تضطر إلى إغلاق أبوابها أو التوجه لبيع سلع أخرى أكثر ربحية.
التحديات التي تواجه الحرفة
بحسب فهد، لم يكن الأمر كذلك في الماضي، حيث كانت الجدات يتقنّ حياكة الصوف ويعلّمنه لأبنائهن، وكانت الحياكة اليدوية تعدّ مصدراً رئيسياً لتأمين ملابس الشتاء. لكن مع تطور الموضة السريعة وتوافر الملابس الجاهزة، تراجع الإقبال على الحياكة اليدوية. ويوضح فهد أن القطع الجاهزة تُستبدل عادةً بعد سنة أو سنتين، بينما كانت الكنزة الصوفية اليدوية تتمتع بجودة وطول عمر يفوق المنتجات الجاهزة. كما يُؤكد أن الحياكة اليدوية أصبحت اليوم أكثر من مجرد مهنة تجارية، فهي تمثل جزءاً من التراث الذي تراجعت قيمته في ظل متطلبات العصر الحديث.
الحياكة اليدوية جزء من الهوية والتراث
جميلة، إحدى السيدات اللواتي ما زلن يمارسن حرفة حياكة الصوف، تُعدّ من بين القلائل الذين لا يزالون يشاركون في إحياء هذه الحرفة، رغم تراجعها بشكل كبير في مجتمعها.
جميلة تعلمت الحياكة على يد نساء الحي في صغرها، ولا تزال تمارس هذه المهنة كهواية رغم انخفاض الإقبال عليها. تقول جميلة: “رغم أن الحياكة اليدوية تحتاج إلى الكثير من الوقت والصبر، إلا أنني أتمتع بكل لحظة من صنع قطعة يدوية من الصوف، فهي تعكس الجمال والدقة.”
تستذكر جميلة بداية تعلمها لهذه المهارة، من خلال جلسات يومية في البيوت مع نساء الحي، وتعتبر هذه اللحظات من أجمل أيام حياتها. “كنت أتمكن من توفير ملابس الشتاء لي وعائلتي”، وتُضيف جميلة أن الحياكة اليدوية تتطلب دقة كبيرة في اختيار الألوان والغرز، حيث يُعدّ أي خطأ فيها غير مقبول. ورغم توافر الملابس الجاهزة في الأسواق، إلا أنها تؤكد أن القطعة اليدوية تتفوق في الجودة والعمر الافتراضي.
ولفتت جميلة إلى أن حياكة الصوف لا تقتصر فقط على ملابس الشتاء للأسر، بل يمكن أن تكون أيضاً هدية مميزة وخاصة للمواليد الجدد. تقول: “هناك شيء خاص في تقديم قطعة صوفية محاكة يدوياً كهدية للمولود الجديد. فهي تحمل لمسة حب واهتمام، بالإضافة إلى كونها عملية ودافئة. تكون الهدية أكثر قيمة لأنها تنبع من القلب وتستمر لفترة طويلة.”
الحنين للحرفة: إحياء التراث وحمايته
ورغم التحديات التي يواجهها سوق الصوف، لا يزال هناك من يعكف على إعادة إحياء هذه الحرفة جزئياً. جميلة ترى في الحياكة اليدوية وسيلة للحفاظ على التراث، ولإضافة قيمة اجتماعية وثقافية. “إنها ليست فقط وسيلة لتأمين الملابس، بل هي جزء من الهوية، ومن التراث الذي يجب الحفاظ عليه.” وتضيف جميلة أن الحياكة اليدوية أصبحت اليوم تمثل تسلية للكثير من النساء، بل قد تكون مصدر دخل إضافي لهن في بعض الأحيان.
واقع سوق الصوف في اللاذقية: بين التحديات والحفاظ على التراث
يتفق فهد مع جميلة في أن الحياكة اليدوية لا تزال تحمل قيمة تراثية، رغم تراجع الطلب على الصوف. فحسب رأيه، فإن الحياكة اليدوية أصبحت محصورة في أشهر الشتاء فقط، حيث يقتصر الشراء على عدد محدود من المكبات، مقارنة بما كان عليه الحال في الماضي عندما كان السوق يزدهر طوال العام.

تصفح المزيد..
آخر الأخبار