الوحدة – رفيده أحمد
الخط العربي ينم عن فن أصيل عريق، غني بتنويعاته وأشكاله وتصويراته، موغل في القدم كعمق حضارتنا. وهو جزء من هويتنا وتراثنا، نعتز به، ونفخر بخطاطينا السوريين الذين أثبتوا جدارتهم وتفوقهم وإبداعهم، والذين حصدوا الجوائز في المسابقات العربية والعالمية، ومنهم الفنان الخطاط المتخصص في فنون الخط العربي والزخرفة الإسلامية الإعلامي إياد أحمد ناصر المبدع الحائز على تكريمات وعدة جوائز منها مسابقة السفير الدولية بخط القرآني المالي بالشارقة وآخرها فوزه بمسابقة السفير الدولية بالعراق بخط القيرواني، وهو الحريص على نشر رسالة فن الخط العربي الأصيل وتدريسه للأجيال، وزرع حب هذا الفن الراقي في الذاكرة والوجدان، وذلك عبر جمعية نينوى وورشات العمل والملتقيات والمعارض المشارك بها داخل سورية وخارجها.
الوحدة التقت الخطاط إياد ناصر وعن مسيرته المميزة في الخط العربي كان حوارنا معه..
عن بدايته قال: نشأت في بيئة فنية غنية، حيث كان والدي الخطاط الرسام أحمد ناصر، أحد أبرز الأسماء في مجال الخط والرسم في سوريا. وقد ترك والدي أثراً بالغاً
في تشكيل شخصيته الفنية القدوة الأولى: كان والدي أول من وضع القلم في يدي، وعلّمني أن الحرف ليس مجرد شكل، بل روح تنبض بالجمال والمعنى.
الانضباط الفني: من خلال مشاهدتي لوالدي وهو يعمل بدقة وصبر، تعلّمت أن الإبداع لا يولد من فراغ، بل من التمرين والالتزام. الهوية والانتماء: غرس والدي حب الوطن، والاعتزاز بالتراث السوري، مما انعكس في أعمالي التي تمزج بين الحداثة والأصالة. أسست مركزاً لتعليم الخط العربي وفن الرسم، يهدف إلى تمكين الشباب من هذا الفن العريق، وغرس حب الحرف في نفوسهم.
“أنا ابن الحرف، ابن الريشة، ابن سوريا. علّمني والدي أن الفن رسالة، وأن الخط العربي ليس فقط فناً، بل هوية وحضارة. وسأظل أكتب بحب، وأرسم بحنين، وأعلّم بإخلاص، وفاءً لوطني ولمن غرس فيّ هذا الشغف”.
وعن فوزه بخط الكوفي القيرواني في مسابقة السفير الدولية بوابة نحو آفاق جديدة قال: كان لفوزي في مسابقة السفير الدولية في العراق باستخدام الخط الكوفي القيرواني أثر بالغ في مسيرتي الفنية. لم يكن مجرد تتويج لجهدٍ طويل، بل كان اعترافاً بجمالية هذا الخط العريق، وبقدرتي على توظيفه في سياقات معاصرة تعبّر عن الهوية والجمال. هذا الفوز فتح أمامي أبواباً جديدة، سواء من حيث الفرص الفنية والمعارض، أو من حيث التواصل مع جمهور أوسع يقدّر الفن الأصيل المتجدد. كما منحني دافعاً قوياً للاستمرار في تقديم الأفضل، والبحث عن طرق إبداعية لتطوير هذا الخط التاريخي وإبرازه في أعمالي القادمة.
الكوفي القيرواني ليس مجرد خط، بل هو تراث بصري يحمل في طياته روح الحضارة الإسلامية. وقد كان لي شرف أن أكون أحد من يعيدون له الحياة في العصر الحديث. الحمد لله، كان لي شرف نيل عدد من الجوائز والتكريمات خلال مسيرتي، وهي ليست مجرد أوسمة تُعلّق على الجدران، بل شواهد على رحلة من الاجتهاد، والإصرار،
والإيمان برسالة أؤمن بها. كل جائزة كانت محطة، تحمل في طياتها قصة تعب، وتحدٍ، وتعلّم.
التكريمات التي حصلت عليها لم تكن هدفاً بحد ذاتها، بل نتيجة طبيعية للعمل بروح الفريق، والإخلاص في الأداء، والحرص على تقديم قيمة حقيقية للمجتمع.
أعتز بها لأنها تعكس ثقة الآخرين، وتمنحني دافعاً للاستمرار، والتطور، والعطاء أكثر. وحين سألناه عن الخط العربي الذي يعتبر من الفنون الصعبة، فأين تكمن صعوبته في رأيك؟
أجاب: الخط العربي يُعد من أرقى الفنون البصرية، وصعوبته تكمن في عدة جوانب متداخلة تجعل إتقانه تحدياً حقيقياً:
1- الدقة الهندسية والتوازن البصري
كل حرف في الخط العربي له نسب دقيقة في الطول والعرض والانحناء.
الحفاظ على التوازن بين الحروف داخل الكلمة، وبين الكلمات داخل السطر، يتطلب عيناً مدربة وإحساساً فنياً عالياً.
2- تنوع الأساليب والخطوط
هناك العديد من أنواع الخطوط مثل النسخ، الرقعة، الثلث، الديواني، الديوان الجلي، الكوفي، وكل منها له قواعده الخاصة.
إتقان كل نوع يتطلب دراسة طويلة وممارسة مستمرة.
3- الربط بين الحروف
الحروف العربية تتصل ببعضها بطرق متعددة حسب موقعها في الكلمة (أول، وسط، آخر). هذا يفرض على الخطاط أن يكون مرناً ومبدعاً في تشكيل الحروف دون الإخلال بجمال النص.
4- الجمالية والتعبير الفني
الخط العربي ليس مجرد كتابة، بل هو فن تعبيري بصري على الخطاط أن يوازن بين وضوح المعنى وجمال الشكل، وهو ما يتطلب ذوقاً فنياً رفيعاً.
5- الصبر والمثابرة تعلم الخط العربي
يحتاج إلى وقت طويل، وصبر على التكرار والتدريب. الأخطاء الصغيرة قد تُفسد العمل بأكمله، مما يتطلب تركيزاً عالياً.
وعند سؤالنا: أين تجد موقع الخط العربي في ظل الطباعة والكمبيوتر؟
قال: الخط العربي، رغم التقدم التكنولوجي وانتشار الطباعة والكمبيوتر، لا يزال يحتفظ بمكانة متميزة في الثقافة العربية والإسلامية. ومع ذلك، فإن موقعه قد شهد تحولات ملحوظة من الفن اليدوي إلى الرقمي أصبح الخط العربي يُمارس اليوم بشكل متزايد عبر برامج التصميم الرقمي مثل Adobe Illustrator وCorelDRAW، مما أتاح للخطاطين أدوات جديدة للإبداع، لكنه في الوقت نفسه قلل من الاعتماد على الخط اليدوي التقليدي.
الخط العربي في التصميم المعاصر: يُستخدم الخط العربي في الشعارات، الإعلانات، تصميم المنتجات، والهوية البصرية، مما أعاد له حضوراً قوياً في الحياة اليومية.
التهديد بالاندثار مقابل فرص الإحياء: رغم أن الطباعة قللت من الحاجة إلى الخطاطين التقليديين، إلا أن هناك جهوداً لإحياء الخط العربي من خلال التعليم،المعارض، والمبادرات الرقمية.
الخط العربي كتراث وهوية: لا يزال يُنظر إليه كرمز للهوية الثقافية والدينية، خاصة في الفنون الإسلامية، والزخرفة المعمارية، والمصاحف.
الخلاصة: الخط العربي لم يختفِ في ظل الطباعة والكمبيوتر، بل أعاد تشكيل نفسه ضمن أدوات العصر الرقمي، محتفظاً بجمالياته وأهميته الثقافية.


