Previous Next

صبا... الفارسة الصغيرة

الوحدة : 28-1-2021

قبل ثلاث سنوات قبضت على مقابس الدراجة النارية بيديها الصغيرتين واستلمت زمام قيادتها على طرقات قريتها الفاخورة يرافقها على متن دراجتها خالها الذي تولى مهمة تعليمها القيادة، واليوم هي في ربيعها الرابع عشر تقود وحدها دراجتها النارية الخاصة بها بينما تلاحقها عيون أهالي قريتها بنظرات تمتزج فيها الدهشة بالإعجاب.

صبا الجبيلي فتاة من قرية الفاخورة في الرابعة عشر من عمرها لجمالها من اسمها نصيب، تستخدم دراجتها النارية كوسيلة للتنقل تعينها في تأمين حاجيات المنزل وحاجيات متجر الألبسة الصغير الذي تديره أمها.

قبل تسع سنوات توفي والدها ليتركها وشقيقتها في كنف أم حمّلها القدر باكراً مسؤولية إعالة طفلتيها. تقول "صبا" على الرغم من أنني الابنة الأصغر إلا أنني كنت أشعر بمسؤولية وجوب مساعدة والدتي التي افتتحت محل ألبسة في القرية لتتمكن من إعالتنا وتوفر لنا حياة كريمة.

في الماضي عانت الفتاة صعوبات كبيرة في التنقل خصوصاً أيام الشتاء الماطر والبرد القارص "كنت أضطر إلى الانتظار طويلاً حتى أجد وسيلة تقلني بينما يتنقل شبان القرية بسهولة على دراجاتهم، كنت أراقبهم ويزداد يقيني بحاجتي إلى وسيلة نقل خاصة بي تبتسم متابعة " طبعاً كالوسيلة التي يستخدمونها"، مع ابتسام ثغرها تفتر عيناها المخضبتان يفعاً عن بسمة ملؤها التحدي والكبرياء.

تشرح صبا أن الأمر بدأ بمزحة إلا أنها استطاعت بتشجيع من أمها وخالها تحويل المزاج إلى واقع، تضيف الفارسة الصغيرة " علمني خالي قيادة الدراجة قبل نحو ثلاث سنوات، وفي العام الماضي فقط حصلت على دراجتي الخاصة، في البداية تعرضت إلى مضايقات كثيرة، بعضهم ناداني باسم حسن صبي لكنني لم أعرهم أدنى اهتمام، وكما تقول والدتي: "لا يخجل من أفعاله إلا من فعل العيب وما دمت واثقة من نفسي ومن عملي لن يضيرني كلام الناس".

تحتفظ صبا بعلبة (عدة) صغيرة في صندوق دراجتها حيث تعلمت كل ما يلزم معرفته من أعمال الصيانة البسيطة كتبديل العجلة وشحن البطارية.

في أزمة الوقود التي نعانيها، وأمام الازدحام الشديد الذي تعيشه محطات الوقود توجس قلب الفتاة خيفة من فكرة الوقوف في طابور طويل هي فيه الفتاة الوحيدة بين كل هؤلاء الرجال، لكن ما جرى في محطة الوقود أعاد إلى قلبها طمأنينته، تقول صبا "شهامة الرجال بددت كل مخاوفي فبمجرد وصولي الى المحطة يتسابق الجميع إلى التنازل عن أدوارهم لي بكل رضا وحبور يقولون عيب علينا نخلي بناتنا تتنظر ونحنا موجودين.

ابنة الأربعة عشر ربيعاً اتخذت من والدتها المثل الأعلى في الحياة، وتحلم بأن تصبح طبيبة وتعتبر أن الدراسة أهم الأولويات وتؤكد أنها تسعى دائماً للحفاظ على تفوقها الدراسي، تحب الرسم وتتقن العزف على العود مذ كانت في السادسة من عمرها، بالإضافة الى ممارستها لرياضة الكاراتيه وحصولها على ثلاث أحزمة في هذا المجال.

صبا فارسة صغيرة تعتلي صهوة دراجتها وتقفز فوق حواجز "التابوهات الوهمية" في مجتمعنا وتفتح الأبواب أمام قريناتها للقفز فوق تلك الحواجز وتحطيم أسوارها البالية.

 شروق ديب ضاهر


طباعة   البريد الإلكتروني