رياضــــة اللاذقيـــــة ... «فتـّت لعبت»!

العــــــــــــــدد 6398

الثلاثـــــــاء 30 تموز 2019

 

منذ 2011 وحتى الآن، لم يكن ملعب الباسل في اللاذقية هو الملعب الأول في سورية الذي يكتظ بالجمهور وحسب، بل ما زال حتى الآن هو الملعب الذي يضرب أرقاماً قياسية من حيث الحضور الجماهيري في مباريات كرة القدم في المسابقات المحلية..
مدينة الأسد الرياضية، وإضافة لاحتضانها الآلاف من إخوتنا الوافدين إليها لم يهدأ ضجيج المسابقات الرياضية فها..
ثمة مقدمات تفرض على المحافظة أن تكون في المقدمة رياضياً لكن هذا لا يحدث إلا في مناسبات قليلة إن لم تكن نادرة فما السبب؟
من تسعفه الذاكرة سيقول حتماً إن اللاذقية ولّادة في الرياضة كما في غيرها، فما السبب الذي يحول بين رياضتها والألقاب؟
لا نتحدث عن كرة القدم وإن كانت هي مفتاح كل فرح وعنوان كلّ تعب، ولا نتحدث عن حصاد عام وإنما نعصر الذاكرة القريبة بحثاً عمّا يشبه الإنجاز وخاصة ما يتعلّق بالفرق الأولى (الرجال والسيدات)!
لا توجد مناسبة لاستعراض نتائج رياضة اللاذقية، لكن مناسبة معالجة أسباب تراجع جزء كبير منها ملّحة، ولعل بداية الموسم الرياضي التي اقتربت، وانتخابات إدارات الأندية واتحادات الألعاب، والمبالغ الخيالية التي تُدفع على كرة القدم فيها، كلها أسباب موجبة لهذا الحديث..

للمنطق والإنصاف
إذا ما قلنا إن رياضة اللاذقية متراجعة، فقد يُفهم من ذلك أن رياضة بقية المحافظات بخير، وإذا قلنا إنّها بخير فإننا نضحك على أنفسنا ونضلّل غيرنا، وفي الحالتين سنقع في سوء أحكامنا..
من جهة أخرى، لن تكون الرياضة بخير إذا كانت الطرقات محفّرة، والسياحة متعثّرة والإنتاج الاقتصادي في حدوده الدنيا، لأنه من المستحيل فصل جبهة عمل عن أخرى, ولو كانت (الرياضة)، رغم وجود بعض الشواذ لهذه القاعدة هنا وهناك أو بين حين وآخر..
وقياساً على هذه المقدمة، ولو أن العوامل الأخرى بأحسن حالاتها لتمّ الانتهاء من أعمال صيانة وزراعة ملعب المدينة الرياضية منذ وقت طويل...
الارتباط بين كلّ هذه التفاصيل حقيقة لا مهرب منها، لكن تأثيرها ليس أساسياً، أو على الأقلّ يمكن أن نخفّفه بمزيد من التفاني لو أردنا، ويبقى هذا الكلام غير مهم لدى الجمهور الرياضي الذي لا يعترف إلا بالنتائج، وبما تحققه فرقه، أو الأسباب المباشرة لهذه النتائج (لاعب، مدرب، إدارة)، وهنا مربط الفرس.
من جنـّن اللاعب؟
كلكم إخوة لنا أو أبناء، نتمنى لكم كلّ النجاح والتألق، ولكن كرة القدم على سبيل المثال ليست مالاً وحسب، والنجومية ليست كم تقبض وإنما ماذا تعطي، وأعتذر مرّة أخرى، فأغلبكم لا يرى فيها إلا المال بغضّ النظر عمن يدفعه أو كيف يدفعه لكم!
اللاعب ليس الأداة الوحيدة لـ (التميّز) وخاصة في هذه الأثناء التي تقتصر على عدد محدود من اللاعبين يدورون وينتقلون من نادٍ إلى آخر، أما الإنتاج الجديد من اللاعبين فهو قليل جداً بسبب ضعف العمل في الأندية ولو زعل كثيرون، وذات الأمر ينطبق على المدربين (المتسلحين بشهادات) الذين تنقصهم المعرفة العملية الكافية أو أنّهم يخضعون لنفس (المواصفات المالية) التي تحدثنا بها عن اللاعبين، مع ضغط الإقالة الجاثم على تفكيرهم ولو بعد شهر من تكليفهم، ومن هذه الناحية فاللاعب مستقرّ أكثر من المدرب!


القــول الفصل
جوهر العمل الرياضي هو الإدارة، والإدارة الرياضية هي الأضعف من النادي إلى الاتحاد الرياضي..
(إذا معك مصاري بتصير رئيس نادٍ) أما المواصفات الرياضية فهي آخر معيار، والمهم هو ألا تطلب الأندية مالاً من الاتحاد الرياضي، الأمر الذي يفرض على رياضتنا إدارات ما أنزل الله بها من سلطان، ولا يعني هذا الكلام أن كل راضي ناجح هو إداري ناجح..
لن نذكر أي اسم، ولكن راجعوا أسماء إدارات الأندية وبعض الاتحادات وستعرفون حجم الوجع!
نعم مشكلة الرياضة السورية بشكل عام هي مشكلة إدارية، واليوم ونحن نقترب من موعد انتخابات إدارات الأندية ومجالس اتحادات الألعاب فإن ما هو مطلوب منّا كبير جداً، وإن لم ننجزه بالشكل الأمثل فسنبقى على ما نحن فيه من تراجع رياضي مخيف..
بالمقلـــوب!
كل شيء بالمقلوب زمانياً ومكانياً.. خلال الخريف القادم سيتم انتخاب مجالس إدارات الأندية والاتحادات الرياضية وصولاً إلى انتخاب أعضاء المكتب التنفيذي للاتحاد الرياضي العام، وقد درجت العادة أن يتمّ الانتخاب من الحلقات الأدنى وصولاً إلى الأعلى، وكاختصار للمشهد، فإن الأعضاء الجدد في اللجان والأندية والاتحادات سيفرزون من بينهم من ينتخب القيادة الأعلى رياضياً، والعارف ببواطن الأمور، فإن من يتحكّم بانتخابات الأندية واللجان والاتحادات هو المكتب التنفيذي وبالتالي ستكون النتائج مضمونة الأصوات في انتخابات المكتب التنفيذي، أي أنّ المسألة مدروسة بحيث لا يدخل الإدارة الرياضية أي وافد جديد إلا من يرضى عليه المكتب التنفيذي..
سنتجاوز هذه المسألة أيضاً، ونسأل: ما قيمة انتخاب إدارات أندية بعد أن يبدأ الموسم الرياضي وتكون الإدارات السابقة قد أنجزت كل تعاقداتها ووضعت خططها وغير ذلك، هل ستكون الإدارات الجديدة مسؤولة عن تنفيذ برامج غيرها، وهل ستستمر الإدارات القديمة بتقديم العون لمن سيأتي مكانها، ثم هل سيقبل الاتحاد الرياضي بتغيير الأشخاص الذين استرضاهم واستلطف أموالهم من أجل التواجد في الإدارات الحالية؟
ما الذي كان يمنع الاتحاد الرياضي من اتخاذ قرار يحدد فيه شهر تموز على سبيل المثال موعداً لانتخابات إدارات الأندية أم أنّ التكتيكات لم تكن جاهزة؟
كل هذه التخبطات انعكست سلبياً على الرياضة المحلية، وضربت نوعاً من الفوضى في كلّ تفاصيلها، والطريقة التي نأتي بها برئيس نادٍ تجعله يتحكم بكل شيء رغم بعده في معظم الأحيان عن (الفهم الرياضي) فهو لا يملك إلا المال ويريد أن يخطط للرياضة ويقودها!
ما الحــــلّ؟
ولو أدى هذا الاقتراح إلى تجميد الكثير من الأنشطة أو إضعافها فإننا نقترح الآتي:
* إعادة النظر بالنظام الانتخابي بحيث يبدأ من فوق إلى تحت، أي نبدأ بانتخاب أعضاء المجلس المركزي واختيار أعضاء المكتب التنفيذي، وبعد ذلك ننزل إلى اتحادات الألعاب واللجان الرئيسية والفرعية وإدارات الأندية، وهذا الأمر يضمن انسجام (الجوقة الإدارية الرياضية) على مختلف مستوياتها، إذ لا يعقل أن يتحكّم الاتحاد الرياضي الحالي بالعملية الانتخابية وبعد شهرين تأتي قيادة اتحاد جديدة غير منسجمة مع خيارات سابقتها..
* عدم السماح لأصحاب رأس المال بالتحكّم بمصير أنديتنا ورياضتنا لمجرد أنّهم يدفعون، والأمثلة كثيرة ولن نأتي على ذكرها لأنها معروفة ولأنها أيضاً لم تأتِ بأي نتائج إيجابية قادرة على الاستمرار، ربما أنتجت حالات آنية لكنها لم تؤسس لرياضة معافاة.
* أن تتحمّل المؤسسة الرياضية مسؤولياتها المالية كاملة في دعم الأندية وألعابها، وإن عجزت ميزانيتها عن ذلك، فلترفع يدها عن استثمارات الأندية وتترك لإدارة كلّ نادِ التحكّم باستثماراتها وبتحديد الألعاب التي ستمارسها.
نعاني من وجع في العقلية الرياضية والتي تفرض نظاماً إدارياً معطلاً، وغالباً ما تُتهم أيضاً بتعطيل الكفاءات الإدارية والفنية لصالح مصالح شخصية ضيّقة.
فنيــاً .. أيضــاً!
وبالعودة إلى الجانب الفني في رياضتنا، وخاصة على صعيد المنتخبات الوطنية وفي معظم الألعاب، فإن تناقضات العمل الإداري، وادعاء معرفة الجاهلين، وسطوة المصالح الشخصية والارتباطات كلّها عناوين قادت رياضتنا إلى الاكتفاء بدور المتفرّج أو بميداليات بطولات المستوى الثالث والرابع إقليمياً وآسيوياً، أما عالمياً وباستثناء حالات محدودة جداً جداً فأين رياضتنا؟
من لديه الوقت فليراقب وليفتّش: من يقود منتخباتنا في مختلف الألعاب، وهل هم الأجدر، وماذا يحققون، ولماذا يغيب فلان أو علتان من الناس؟
الحديث يطول جداً، ولكن وقبل أن يصبح مملاً دعونا نوجز الخلاصات:
* تمتلك الرياضة السورية خامات كثيرة إدارية وفنية لكن معظمها معطّل وربما عن قصد وتعمّد.
* العلاقات الشخصية تتحكم بمفردات العمل الرياضي من حيث التكليف بمهام الإشراف والسفر والدورات وغير ذلك.
* دخول رأس المال الخاص إلى رياضتنا لم يكن مدروساً وغالباً ما يكون بعيداً عن السياق المطلوب.
* بطولاتنا المحلية لا تأخذ القدر الكافي من الاهتمام والأهمّ مما تنتجه هو إنجازها لمجرد إنجازها.
* أنظمتنا الرياضية (الفنية والإدارية) متخلفة وتفصّل على مقاسات محددة، وهي عرضة للتأويل والتغيير والانتهاك باستمرار.
عودة إلى اللاذقية
لن تكون رياضة اللاذقية خارج هذا المشهد وليس باستطاعتها فعل ذلك، هي جزء من منظومة تخضع في كل مطارح عملها إلى هذه الأحكام، وبختتم بما بدأنا به: هي ليست متطورة وهي ليست متراجعة، هي جزء من هذا المشهد الذي يحتاج إلى عمل كبير وشاق ومضنٍ..
قد تكون أندية اللاذقية من أفقر أندية القطر لولا تدخّل الداعمين، فهي بالكاد تملك مقرات متواضعة، وتغيب عنها الاستثمارات الحقيقية، وهنا لا نفتّش لها عن التبرير لأنها تجد من يدعمها، وتعاقدات ناديي تشرين وحطين الكروية هذا الموسم تقترب من المليار ليرة سورية كما يشاع ويتداول، ومع هذا فإن الخوف من عدم استثمار هذه المبالغ بالشكل المثل وبقاء كرة اللاذقية بعيدة عن التتويج بالألقاب.


طباعة   البريد الإلكتروني