قهوتنا الصباحية.. مع شوية حكي

الوحدة 17-9-2020 

 

أما وقد اعتلت أسعار القهوة منازل ومراتب لم نتطلع إليها أو نرتقي ولو بإشاعة بزيادة الرواتب بل زيادة في الأسعار، وتجاوز سعر الأوقية منها الألفي ليرة فما زلنا نرتشف مرارتها لتشاركنا الهموم اليومية، ونحن نستعد ليوم آخر في الحياة نستبيحه بقهوة الصباح، بهيل وأغاني فيروز تصدح  لتفتح لنا أبواب النهار على  أعمال وأشغال، مواعيد غرامية أو اجتماعات مصيرية، تعارف ولقاء ومشاركة واحتفالات، أو لمة نسوان ورشفة رشفة بثرثرة على الجيران وبعده (طب الفنجان) وقراءة البخت من فم الفنجان كتاب مفتوح يكشف الأسرار، لعاشق مترقب ونزار قباني في المقهى يقول:

هي من فنجانها شاربة    وأنا أشرب من أجفانها

وكما قال محمود درويش عندما سأله صديقه لماذا تحب القهوة وألحظك تتذوقها بمتعة تحسد عليها؟ أجاب لأن في القهوة الكثير من المرأة والحب.. القهوة هي المرأة والمرأة هي الحب، والحب هو المرأة وكلاهما كافيين الحياة ولذة الوجود، قال لي أطباء القلب وهم يدخنون: لا تدخن ولا تشرب القهوة، وكم مازحتهم: الحمار لا يدخن ولا يشرب القهوة ولا يكتب) أما نحن ولسنا شعراء ولا قارئي فنجان ولكل منا مذاقه في فنحان يعند عليه ويصر أن تكون قهوته فيه بل أناقته النفسية التي نرتشفها بل نستشفها في اللقاءات الآتية..

رند، موظفة  قالت: أول موعد ارتشفناه بفنجان قهوة، وبعده تتالت اللقاءات التي ركزنا فيها حديثنا على فنجان قهوة اعتدناه صباحاً قبل وصولنا مكان عملنا، وذات مرة أهداني كوباً لأجل قهوتي في البيت لأتذكر موعدنا صباح كل يوم عندما أصحو وأشربها، فكنت قد استبدلته بفنجاني المعتاد ومنذ أكثر من خمس سنوات أشرب فيه.

السيد نزار متزوج ولديه ثلاثة أولاد أشار بأنه يبدأ يومه بفنجان قهوة وليس بغيرها يستطيع أن ينفذ من همومه ويسلك طريق عمله، الذي تتعدد فيه الفناجين والكؤوس لكن الفنجان الأول مع زوجته وسيجارة ينفث فيها عراقيل عيشه، لهذا يطعمها ببعض حبات السكر ليهضم شكوى زوجته التي لا تهدأ مع فجانها قهوة سادة مرة، وفي كل الأوقات تعلو وتيرة صوتها لتندب حظها الذي في السماء، فالحال ضيقة وحاجات الأولاد بازدياد كما البيت و الاستهلاكيات التي لا تنضب منذ ساعة يقظتها ويتساءل: ماذا يخفف عني كل هذا الضغط غير القهوة والتي سبب علتي ومرضي وارتفاع ضغطي لكني أحبها.. زوجتي وقهوتي.

السيد علي، مهندس، أكد على  أن ساعات عمله يقضيها مع القهوة، لكن يفضلها في كأس شفاف ليروي شغفه بها ويراها بلونها الذي يشابه يومه خاصة إن كان فيها اجتماع، وليس وحده تتوالى طلباته على القهوة .فالكل ينهمك بعمله ويصارعه بفنجان قهوة، حتى المدير لا يضبط كلامه ويدوزنه غير كأس قهوة أمامه، القهوة رفيقة الموظفين وخاصة القابعين وراء مكاتبهم.

أم سهى اعتادت صبحيات الجارات والتي تطغى فيها القهوة ولا غيرها، لتحلو جلستهن مع ثرثرة على الجيران، فلانة خطبها فلان ولديه بيت وأرزاق ورصيد في البنك) وتريد مساعدته، وفلان تزوج على زوجته ولم تكن لتدري لولا رفيقتها التي رأته معها في المطعم، زوجته تضيق على نفسها وترضى بالقلة لتأتي من تعيش على فتاتها وحسابها الذي رصدته لسنين لأجل أولادها، والكلام يجر إلى المزيد مع فنجان لا ينتهي فيه الكلام حتى بعد انتهاء مشروبه وجفاف ريقه، ليكون الختام بقراءة من إحداهن لجميع فناجين الزائرات وقد أنصتن ليعرفن أخبار بعضهن فليس لواحدة منهن أن عرفت شيئاً من أسرار الأخرى بغير هذا الفنجان، وإن زادت إحداهن القهوة في فنجانها فهناك المزيد من الأخبار، ولا يمكن لإحداهن أن تترك الجلسة خوفاً من أن تنالها ألسنتهن في ثرثرة قهوة الصباح.

أم تيم، مدرّسة أشارت إلى أن للقهوة طعمها وطقوسها التي تستوجب منا كل اهتمام، فليس للقهوة أن توضع على طاولة لضيافة بغير قطعة شوكولا أو حلوى وكيك وبتيفورات، لنتشارك على مذاقه ووقعه بين الشفاه هموماً وأحلاماً، نفضفض ما بأنفسنا كأصدقاء وتغسل عنا منغصات يومنا وحتى حياتنا التي تبدأ بالتعارف على أصدقاء جدد وجيران ولا تحلو أوقاتنا بغيرهم مع فنجان قهوة، كما أي زيارة أو حتى عزيمة غداء لا يمكن أن تخلو من القهوة في نهاية الأمر، وإلا لا تحسب ولا تكون واقعة ولو وضعت أمام ضيفك كل أنواع الضيافات وصنوفها بألوان ومنكهات فهي الأساس وركيزة كل زيارة وحتى عندما يأتي أهل عريس ليطلبوا لابنهم عروساً يقولون : لا نشرب القهوة إلا بعد أن توافقوا على طلبنا، نريد هذه العروس لابننا المصون، فإن جاءت الموافقة وتم الأمر شربوها على مرها بكل سعادة.

بائع القهوة في طريقي إلى البيت أبو أحمد قال: جميعهم نساء ورجال وشباب يقصدوني في طريقهم إلى أعمالهم أو جامعتهم ويطلبون القهوة، منهم من يرغبها بسكر وغيرهم سادة، منهم مزبوطة وغيرهم على الريحة، بهيل ومسكة أو بلا هيل، ومنهم من يريده ساخناً ويرتشفه بشفة واحدة وغيره يتركه ليبرد و(يمزمز) به ومنهم سائقو التكسي يحضرون من بيوتهم كوباً أو فنجاناً كبيراً وغيرهم فنجانه المعتاد لأصب لهم فيها قهوتي، ومنهم من يمسك فنجانه بأذنه ومنهم من تتلحفه يده أو يمسك طرفه، منهم من يشربها إلى آخر رمق فيها ومنهم قد يترك نصفها ويدورها في بطن الفنجان ليرميها في أرض صحنها ويقرأ ما فيه من حظ.. للقهوة وشاربها وبائعها مزاج، ولما تذهب لشراء حباتها ويسألك البائع (شقرا أم سودا) فماذا تقول؟

هدى سلوم


طباعة   البريد الإلكتروني