الصم والبكم.. إصرار على مواجهة المجتمع وتفوق من رحم المعاناة

الوحدة 16-9-2020 

 

كثير من الأشخاص الذين يكرمون لتفوقهم في مجالات عدة وقد أتيحت لهم الظروف والإمكانيات المناسبة لبلوغ هذه التتويجات والتي أشارت لجدارتهم وجهودهم المبذولة، ولكن ماذا عن أشخاص صنعوا كل شيء من اللا شيء وحولوا معاناتهم إلى أمل وتحد وبدايات، أليس هذا بالتفوق الذي يستحق منا كل  الاحترام والامتثال به؟

شريحة الصم والبكم تلك الشريحة التي أبت الوقوف والاستسلام للواقع المرير الذي استفاقت عليه رغم ألم المعاناة التي وقعت على عاتقهم وعاتق ذويهم إضافة لكيفية مواجهة المجتمع  والظروف، فمن بصيرة قلوبهم سمعوا نداءات الأمل ومن إيمانهم وتصميهم صنعوا المعجزات لم تثن عزيمة وصبر أم عدنان الظروف التي فرضت عليها حيث كانت حكماً مقدراً من الخالق لتبدأ بترديد جملتها التي اعتادت عليها قبل أن تخبرنا بقصتها مع أطفالها الثلاثة الصم والبكم وهي (الحمد لله على كل شيء)،

مضيفة أنه ليس بالأمر السهل لدى الأم أن ترى أطفالها بهذا الموقف وكم يحترق قلبها عندما ترى معاناتهم وصعوبة الإفصاح عن متطلباتهم وكيفية شرح لهم أي شيء حول أمور الحياة، موضحة أن لديها ثلاثة أطفال معاقين سمعاً ونطقاً وقد ألحقتهم بمعهد خاص للصم والبكم منوهة إلى أن هنالك إشارات يتعلمونها تساعدهم في ممارسة حياتهم بشكل طبيعي إضافة لوقوفها إلى جانبهم مع أبيهم والتكلم معهم بلغة الاشارة والشفاه لزيادة سرعة البديهة والفهم لديهم قائلة: على الرغم من  رؤية أطفالي بهذا الموقف يؤلمني كثيراً إلا أنني أمنحهم الثقة بالنفس وأشجعهم على تحدي الظروف والمجتمع آملة من الله أن يعوضهم بمستقبل جيد ينسيهم معاناتهم وهذا ما أشعر به لأنني ألتمس حساً عالياً وذكاء لديهم.

 وعن كيفية تعاملها معهم أضافت أم عدنان: تؤرقني صعوبة التعامل معهم في بعض الأحيان ولكن الذي يتعبني نفسياً في أغلب الأوقات نظرة المجتمع لهم والتي تجمع  بين الشفقة والاستغراب وكم  تضايقني فأصمت بيني وبين نفسي لأعود بثبات واثقة بانهم سيصنعون شيئاً ما في المستقبل ليثبتوا للآخرين أن الإبداع يولد من قساوة الحياة والظروف.

أبو محمد رجل في السبعين من عمره وهو يعاني من صعوبة في النطق بسبب حادث تعرض له منذ الصغر إلا أنه يسمع ويفهم كل شيء كما أخبرتنا زوجته ولكن عدم إمكانية النطق لديه تجعله يعاني من مشكلة إيصال مقصده للآخرين منوهة أنها تفهم ما يريده و تتعامل معه بكل أريحية بعد عقود من العمر قضتها برفقته.

وللتعريف أكثر بواقع هذه الشريحة ومعاناتها وماهي الأسس السليمة والطرق الصحيحة لتوجيهها والأخذ بيدها من قبل الأهل بالدرجة الأولى والمختصين بالدرجة الثانية لتصبح قادرة على التأقلم التام مع المجتمع في جميع مجالات الحياة كان لنا لقاء مثمر مع المشرف المسؤول عن معهد  الشهيد قسورة محمد الشيخ  للتربية الخاصة للمعوقين سمعياً في محافظة اللاذقية الأستاذ نزار قدار الذي أتحفنا بمعلومات شاملة حول القضية المذكورة مبيناً أنه تم تأسيس المعهد عام١٩٨٢ في قرية الشير وذلك بهدف تأهيل الأطفال المعاقين سمعياً وتوجيههم كاشفاً أن عدد الطلاب المسجلين لهذا العام بلغ ٥٨ طالباً وطالبة، إذ يوجد  ضمن المعهد  قسمان هما قسم داخلي يتم فيه استقبال الأطفال المعاقين سمعياً والذين يقطنون خارج المدينة أو الذين لا تمكنهم ظروفهم المعيشية من المبيت خارج المعهد وتقوم مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل بتأمين المأكل والمشرب لهم وكافة الخدمات مجاناً إضافة لقسم آخر هو القسم الخارجي الذي يتم فيه  نقل  الطلاب القاطنين ضمن محافظة اللاذقية من وإلى المعهد بباصات نقل تابعة لمديرية الشؤون الاجتماعية والعمل.

وعن طرق التعليم أوضح قدار أنها تتم  بلغة الإشارة وكافة الوسائل التي تسهل إيصال المعلومة للطلاب بما فيها (قراءة الشفاه) أي تعليم الأطفال كيفية نطق الأحرف مشيراً إلى بعض الصعوبات التي يعاني منها الكادر التدريسي كمشكلة النسيان لدى عدد من  الطلاب منوهاً إلى وجود معلمين في المعهد من كافة الاختصاصات ومعظمهم ممن اتبع دورات في لغة الإشارة وكيفية التعامل مع الأطفال المعاقين سمعياً، مذكراً بدور مديرية التربية وتعاونها من خلال فرز مدرسين اختصاصيين في حال احتياج المعهد لهم.

وكشف الأستاذ  قدار أن تسجيل الطلاب في المعهد يبدأ من عمر أربع سنوات ويستمر حتى  إنهاء المرحلة الثانوية عن طريق تقديم بعض الأوراق الثبوتية وبدون أي رسوم مع تأمين كافة الخدمات المجانية  للطلاب المسجلين لديهم، مؤكداً أنه من الطبيعي أن تكون هنالك فروقاً في المستويات بين الطلاب من حيث القدرة على  الاستيعاب أو الإصرار على الاستمرار في إثبات الذات ومتابعة المسيرة التعليمية كبقية الأشخاص الطبيعيين وهذه الفروق تجلت في مظاهر مختلفة فمنهم من اكتفى بالحصول على الشهادة الإعدادية ومنهم من حصل على الشهادة الثانوية ومنهم أصر على إكمال تعليمه الجامعي رغم الصعوبات التي تعترضهم سواء بما يتعلق بإعاقتهم السمعية أو بمواجهة المجتمع مشدداً أن هذه الشريحة قادرة على متابعة مسيرتها العلمية والحياتية وتحقيق النجاح في حال وجود أشخاص يساعدونهم ويشجعونهم ويساندونهم والدليل على ذلك الطالبة هبة فهد  التي درست في المعهد من الصف الأول وحتى انتهاء المرحلة الثانوية وانتقلت لمتابعة دراستها الجامعية في كلية الفنون الجميلة وبكفاءة عالية.

ولدى سؤالنا عن وجود مرشدين نفسيين في المعهد قال الأستاذ نزار: لاشك أن اختلاف الحالات النفسية بين الطلاب والمرتبطة باختلاف الأسباب كالشعور بالنقص تجاه الآخرين نتيجة الإعاقة وسوء تعامل الأهل وصعوبة فهم  المجتمع لهم ملمحاً إلى توفر مرشدين مختصين ضمن المعهد مهمتهم التخفيف من المعاناة التي يعيشونها وجعلهم أكثر اندماجاً وتفاعلاً مع المجتمع.

أما عن كيفية التعامل مع الأطفال وتوعيتهم في ظل الأزمة الوبائية التي تعيشها البلاد (كورونا) أكد قدار أن إدارة المعهد تقوم بالتعقيم المستمر و بشكل يومي ودوري  لصفوف المعهد وغرف الإدارة مشدداً على أن هذه الشريحة بحاجة إلى جهود مضاعفة  بسبب الأعمار الصغيرة غير القادرة على الالتزام بالإجراءات الاحترازية لصعوبة إدراكها لها  كالتعقيم وارتداء الكمامة أو قياس درجة الحرارة وغيره من أسس تتطلب التوعية والمتابعة  المستمرة من قبل إدارة المعهد وبالتعاون مع الأهل.

عندما يستطع الأشخاص المعاقون سمعياً تحويل معاناتهم الى تحد وإصرار ومن ثم نجاح لا يسعنا القول إلا أن التفوق والإبداع الحقيقي هو الذي يصنع  من رحم المعاناة والظروف القاسية، هذا الإبداع الذي  يستحق منا الاحترام والتكريم وفي جميع  الأوقات والمناسبات.

جراح عدره


طباعة   البريد الإلكتروني