نصــــف حكايـــــة.. وفـــــتاة

العدد: 9487

الأربعاء:11-12-2019


كيف لي أن أعشق؟ سؤالٌ كنت أردِّده في بلدتي البعيدة كلما اقتربت من حاجز لا هوية له, وفيه شابّ يوزّع من لسانه الناريّ كلمات مسننة كالمنشار؟!

كيف لي أن أعشق, وحلم اختتام الثانوية بمفاضلتها الجامعية قد تاه بين كتب مدرسية أطلبها ولا تصل.
كيف لي, ومدرسة دروبها تطوي الأجنحة, ولا تنفع معها وسائل التسلق؟
أما أقراني فلا أجدهم, ولا أجد ذلك المدرِّس الذي وقف يوماً أمام طلابه, وخلفه سبورة تحضر للذاكرة بئراً؟
كيف ووجهتي إلى المكان الآمن, والذي يبعد آلاف الأفكار؟ كم تمنيت لو تحل نجوم الظهيرة, عليها تُنزِلُ عن عيني الذابلتين غشاوة الطريق، لكنها كالشمس الاستوائية تحرق الصحو والنوم معاً.
كيف لي أن أعشق زمني الذي دفنت حلاوته باستشهاد أمي؟
أسئلة كثيرة كررتها كما يكرر النبع قطراته, والساعة الجدارية عقاربها و.. (جحا) الذي يمرّ على كل العصور, جاء مقهقهاً بمأساوية ننسى معها أقدامنا, ولا نعرف هل نركض أم نمشي ونركض معاً؟!
في خضمِّ الرحيل: قطعت مسافات المشاهد والصور على الجنبات في غيبوبة الأكفان!
لم أستفق إلاّ وأنا في مشفى يرفع علم الطمأنينة ويتبع للمؤسسات والإدارات التي عمل والدي في إحداها.
تلقيت في المشفى العلاج والدواء, ومن ثم انتقلت إلى مدرسة لإكمال تحصيلي الدّراسي. لكن فرحتي أفقدتني التركيز, ومن ناحية أخرى فالذاكرة ما زالت ملأى بأحداث عشتها ولا أصدق قساوتها!
هي فرحة صعدت بذهني إلى ذروة استرخاء الأفكار, ولكن ما زلت أنظر إلى كأسٍ لا نصفها فارغ ولا نصفها الآخر ملآن, وإنما إلى كأس الماء فيها يجيد السباحة , فأشعر وأنني جبل لا يمل الوقوف على قدميه.
وها أنا ما زلت أعيش بسلامة المجيء, والتي تتيح لي أمل العودة القريبة لبلدتي.. عودة لا تقطعها حواجز الجدران السوداء, وإنما هي دروب ككتبي المفتوحة على الصداقة مع المستقبل.

سمير عوض


طباعة   البريد الإلكتروني