«الله يعيشــك .. وتحصـــل!»

العـــــدد 9485

الإثنين 9 كانون الأول 2019

 

مشهد يطالك رغم أنفك ويثير فيك رغبة الحشرية والسؤال، هل لا زال فينا من يدخر ويشتري الحصالات؟
مررت بجانب دكانه التي فارت فيه أكياس من الحصالات كبركان لتخرج حممه أمام العتبة والباب، فقلت في نفسي كيف له بتسويقها، أيظن أن تجارته رابحة ونحن بالكاد نعيش، فجاء لينادي بنا أن الحصالة باتت بالأسواق، واستبشر ببضاعة ستكون فيها تجارته رابحة لا كساد، ألم يكن ظنه بنا إثماً ؟ فليكن له صبراً منا وعلينا و(الله يعيشو ويحصل ..منا) الأصفر أو الأبيض، إذا كنا نحن الكبار بنهمنا الاستهلاكي وجرينا وراء التقليد والمظاهر التي نحن بغنى عنها، لا نستطيع تدبير أمورنا ومستلزمات بيوتنا وخصوصاً منا الآباء، فكيف لأولادنا التوفير وقد كففنا أيدينا عن إعطائهم مصروفهم كل يوم، وأحجمنا عن شراء الكثير من الحاجات وطلناها بلساننا أنها رفاهية وكماليات، وقد كان المال قد حال عنا وضاق عيشنا واستحال التوفير بل تعتيراً وتقصير يطالبنا فيه الأولاد بـ (خرجية) نقابلهم فيها بـ (التطنيش).

* دعاء زريق، بالصف التاسع أشارت أن لها كل يوم مصروفاً لكنه قليل وليس كمثلها باقي الرفيقات ولا تستطيع منه التوفير، فأهلها يدعون أنها تكلفهم اليوم الكثير بين دروس خصوصية ومستلزمات مدرسية وغيرها مما يحتاجه الأستاذ، لكنها تفهم الوضع وتحيلهم عما لا يستطيعون به، فقط هي تخجل عندما ترى بعض الرفيقات يمددن أيديهن لمشروبات ومأكولات وقد أسرفن بالمشتريات وهي مغلولة اليدين تقف بجانبهن دون حراك، فيشاركنها به وهو ما يستدعي منها مطالبة والدتها ببعض الهدايا التي تنسجها بإعادة تدويرها وتقديمها للصديقات لتعوض عليهن وليس لها بالحصالات شأن أو حاجة.
* غيث درويش، بالصف السابع أكد بأن لديه حصالة على شكل خاروف منذ كان صغيراً وهو يحافظ عليها ويحبها ولو فرغت اليوم، كان كل من والديه يعطيه ما يفيض عن حاجته فيدخره في (الطامورة) حتى أنه ينال (العيديات) من الأهل والأقارب ويضعها فيها ليراها متخمة دائماً، يشتري بها حاجاته وما يرغب به في المناسبات وأعياد الميلاد، لكن اليوم يأتي من يأخذ منها ينقصها ولا يضيف عليها شيئاً ولا يراها كما أيام زمان، وليس من السهل التوفير، فالغلاء والأسعار نار تلتهم كل ما يعرض عليه، كما أنه كبر وأصبح شاباً ومصروفه يكبر معه.
* جعفر صادق، بالصف الثاني أشار بأن ليس لديه في البيت (طامورة) وتعطيه والدته 100ليرة يومياً عندما يذهب للمدرسة، يشتري كيس شيبس وبسكوتة ب75 ليرة وال25 ليرة الباقية تأخذها المعلمة لتدخرها له في صندوق كما غيره من أولاد صفه إلى أن يأتي عيد الأم تعطي لكل واحد منهم هدية ليقدمها لوالدته.
* أم سارة، أكدت بأنها تنال من حصالة ابنتها الكبيرة التي تدخر فيها المال، فهي تدخر معظم مصروفها ولا تنفق منه غير القليل، على عكس ابنتها الصغيرة التي تشتري الكثير ولا تكاد توفر منه شيئاً يذكر، وإذا ما حاولت معها أن تقرضها بعضه لحاجات البيت والضروريات في أوقات حرجة ترفض بحجة أنه ليس لديها منه غير ما قل ويستحيل فيه الدين .
* أم رنيم، موظفة في الكهرباء تقول: حصالة ومدخرات وتوفير.. نسيناها هذه الأيام، من أين لنا المال لنعطي الأولاد ما يستطيعون توفيره ؟ لدي ابنتان في المرحلة الابتدائية ولا أعطيهم المال غير القليل الذي يكفيهم لشراء كيس شيبس أو بسكويت وفي بعض الأحيان إذا لم يكن لدي فراطة أقصر يدي عنها وأعزف على الوتر الحساس عندهم بأن ليس في البيت ثمن الطعام وأوعدهم بما لذ وطاب حين تعودان وقلبي يكاد ينفطر من هذه الحال، لكن ماذا أفعل والراتب تزهقه الصرفيات الضرورية (ويكون بخبر كان منذ الأيام الأولى في الشهر)، وغيرها يكون بالدين، لكن عندما تأتي مكافأة أو غيرها زيادة على الراتب أعوض عليهما ما فات ليحصلا على مكافأة مني على ما تتحملانه معي وتصبران، عندها تنفرج أساريرهما وتخبئانها ليوم عيد الأم ليجلبا لي هدية ولو كانت صغيرة المقام.
* أبو وليم، يتنهد ويقول: (الطامورة) لها ذكريات جميلة عندي، فقد كنت أختارها بشكل الفيل لتتسع لأعداد كبيرة من النقود، وما إن تمتلئ حتى أكسرها وآتي بها بكل ما أشتهي وأريد، أحاول اليوم أن أزرع هذه الأفعال في ولدي الوحيد لكنه يرفض ويصرف كل ما أعطيه إياه وما تعطيه والدته خفية عني، فطلباته لا تنتهي ولا يشبع ونحن لا نحرمه شيئاً ويحب التباهي ويجاري رفاقه ويفوقهم قدرة، لكني أضع له بعض النقود في مصرف التوفير ولو كانت بالقليل، فهو لم يعي بعد أهمية الطامورة وجدوى التوفير (خبي قرشك الأبيض ليومك الأسود).
* الاختصاصية النفسية رغداء خير بك تضع بين أيدينا بعض الإرشادات لتعليم أولادنا الادخار ولو كان مصروفهم قليلاً تقول: المطمورة شيء جميل وموروث من الآباء تشد الأبناء للتوفير، ويجب تعليم الأطفال منذ نعومة أظفارهم على التوفير وتعويدهم على الشعور بقيمة المال، بضبط مشترياتهم وسلوكهم الاستهلاكي وتحويله لمنهج يومي يدخرون فيه ولو القليل من المال الاحتياطي في بنكهم الخاص (المطمورة) ولتشجيع الأطفال علينا جلب حصالات تروق لهم أشكالها وألوانها، كما علينا تحديد قيمة صرفياتهم وإرشادهم بالابتعاد عن المحلات الغالية وتقليل الوجبات السريعة، وحثهم على شراء ما يلزمهم ويحبونه بما يدخرونه وعند الحاجة يفتحونها لشراء الملابس الجديدة أو هدايا أعياد الميلاد وغيرها ويمسكون بأيديهم المال الوفير ليشعروا بقيمته.
ونحن السوريين لطالما ادخرنا وحفظنا مالنا ليكون في هذا الأزمة لكبيرة التي مررنا بها سندنا لسنوات، لكن في هذه الآونة وبسبب ضغوط الحياة وغلاء المعيشة وارتفاع أجور الدروس الخصوصية ،وغيرها الكثير التي أثقلت كاهل الأسر السورية لتعيش بكرامتها نجد صعوبة في الادخار، وإذا ما استطاع أحد أولادنا الادخار نقترض منه بوعود وعهود أنا سنرد له ماله فيشعر بالخيبة بأن نقوده لن تعود لكن تطمينه وإعادة بعضها كل حين يبعث على التفاؤل وتجديد مدخراته في مطمورة قد وضعها لعبة بين أيدي أخوته الصغار، فلنغرس فكرة الادخار في رؤوسهم الصغيرة لتكون عادة واستفادة.

هدى سلوم- معينة جرعة


طباعة   البريد الإلكتروني