منْ جــدّ وجــدْ

العـــــدد 9408

الثلاثـــــــاء 20 آب 2019


من جدًّ وجدْ، ومن طلب العلا سهر الليالي، ومن سار على الدرب وصل، حكم كنا نتداولها كثيراً، ونحن طلاب في المدارس الابتدائية وما بعدها، حتى أن بعض المكتبات التي كانت تصنّع الدفاتر المدرسية كانت تدون بعضاً من تلك الحكم على أغلفة دفاترها، والهدف منها زرع القيم والأخلاق الحميدة عند الجيل الصاعد، وتحفيز الطلاب للاهتمام الزائد بدروسهم ومستقبلهم، وقد يُحدث نوعاً من المنافسة الشريفة بين بعضهم البعض.
في يوم من الأيام احتجت إلى شخص (عامل فاعل) كي يساعدني لإنجاز عملٍ مجهدٍ لا يجوز أن أنجزه لوحدي، ذهبت إلى مكان تواجد القوى العاملة بالمدينة، واخترت شخصاً قوي البنية كما يظهر، طويل القامة، ممتلئ الجسم، ثيابه رثة، وجهه عبوس نظراته غاضبة.
اتفقنا على الأجر وساعات العمل، وصعد بالسيارة، وجلس بجانبي، وفي الطريق إلى مكان العمل كنت أحدثه، فكان يردُّ عليّ بكلمات مقتضبة حيناً باللغة العربية وأحياناً باللغة الانكليزية، فسألته: هل أنت عربي أم لا؟! ابتسم قليلاً وقال لي (يس) أنا عربي أصيل، أبي وأمي وأجدادي كلهم من العرب ولي الفخر، قلت له إذن لماذا ترد علي باللغة الانكليزية؟ قال: أنا خريج قسم اللغة الانكليزية، لكنني لم أجد عملاً يتناسب وشهادتي، والدي توفى وترك لي أسرة مؤلفة من والدتي وثلاثة إخوة، وهم بحاجة إلى مصاريف يومية، لتأمين لقمة العيش الكريم، زاد احترامي له لأنه يعمل (بالفاعل) ولا يستحي من أحد على الرغم من أنه يحمل إجازة جامعية، المهم أنهينا العمل الذي اتفقنا عليه، وكان جديراً بما قدمه من جهد، وسررت منه كثيراً، وأكرمته بالعطاء بأكثر مما اتفقنا عليه، قلت له: لماذا لا تتقدم إلى إحدى مسابقات وزارة التربية، وتصبح مدرساً أما كان أفضل لك من العمل الجسدي المجهد؟ قال لي: ألا تسمع بالحكمة التي تقول: من جدّ وجدْ، ومن تخرج قعد ومن عنده واسطة حصد.
بذلت جهداً كبيراً لتأمين فرصة عمل له (مهنة عملية) وفعلاً وجدتها عند أحد أصدقائي، تابع الشاب عمله مع صاحب المحل بصدق وتفان ٍ وإخلاص، حتى تعلّم تفاصيلها وسرّها، وأصبح بها خبيراً، وبعد مرور أقل من سنة ذهبت للسؤال عنه، قيل لي: بأنه ترك عمله وافتتح محلاً للتجارة بالمهنة نفسها التي تعلّم تفاصيلها وأصولها، ولم تطل الأيام وبعد ثلاث سنوات جاءني بسيارة فخمة، محملاً بالهدايا عرفاناً منه بالجميل، والفرحة واضحة على محيّاه، ترجّل وأسرع باتجاهي وبدأ يقبّل رأسي ويدي وهو يقول: حياك الله ياعم معروفك لن أنساه، وفعلاً من جدّ وجدْ، ومن زرع حصد، سألته عن أحواله، قال: الحمد لله لقد أكرمني الله أعظم الكرم، لأن الحياة كفاح وجد وعمل ولكل مجتهد نصيب.

حسن علان


طباعة   البريد الإلكتروني