ريــحٌ تطيـّـر أوراق حيـــاة شــباب!

العدد: 9405

8-8-2019


إنه الهوس بعادةٍ جربتَها وأحببتهَا يوماً لتزجكَ في سجنها باقي أيام العمر، تجري لأجلها ونحوها دون أدنى تفكير، تستعبدك وتبعدك عن الأهل والأسرة والمجتمع، ضعيف أمامها، وعاجز عن صدها عنك، بل مريض وليس بك ألمٌ أو جرح..

* ندى، كل ليلة أسمع صوتها وشجارها مع زوجها الذي يضربها حتى يدميها، فتفتح الباب وتجري مستنجدة بالجيران، أول مرة وثاني مرة و.. ينقذونها من بين يديه، وتنام عند إحدى الجارات إلى أن يأتي الصباح، وما بعده يستيقظ من غفوته ويتوسل إليها العودة ونسيان الأمر، وكأن شيئاً لم يحصل، أو قد يهاتفون والديها لتغيب مع طفلها لأيام وأسابيع فتعود محملة بالآمال والوعود بالتوقف عن الشرب، وكيف له ذلك وهو يتوسد فراشه إلى ما بعد الظهيرة بعد أن ترك وظيفته؟ لكن فشله دفعها للشرب معه لتكون مثله، ولم تعد المناسبات والأعياد ولقاءات الأهل والأصدقاء تكفي للشرب، فقد باتت عندها رغبتها عارمة للشرب يومياً، يصعب عليها التوقف، وتؤكد بقولها: لطالما أردت الانسحاب لكني سرعان ما أعود، إذ أحس برغبة فيه تجعلني عصبية وبحساسية مفرطة، وأشعر بألم في رأسي وسرعة في نبضي ورجفة كما يجتاحني القلق فلا أنام الليل، لقد تعودت على بلواي قاحطة العيشة، ولا أرى انفراجاً بغير الهروب من الهموم التي تلاحقني ليل نهار. 

* ياسر أشار بأنه يشرب الخمر لكن في أوقات يتطلبها الأمر، وهو مشروب شعبي لدى الجميع، حيث يتشارك والأصدقاء رشفات منه في السهرات والأعياد، فيه نشوة وراحة وسعادة تدب في حفاف الروح، لكنه لا يشرب ليسكر ويفقد وعيه وصوابه ويقع في فخها وشركها، فلديه حدود بتأشيرة من عقله، وخوفاً أن يفقد ماله وعمله وزوجته الطيبة التي توصيه بالاعتدال ولا تمنعه عنه.
الخمر موضوع كبير وبعناوين كثيرة كتب عنه مجلدات، وهو أكثر أنواع الإدمان انتشاراً وأضراره بأحجام وأوزان، قد يصبح مرضاً يحتاج لحلّ وعلاج لتجنب حدوث الانتكاسات، وعلاجه عملية صعبة تحتاج للكثير من الوقت والجهد أهمها رغبة المريض في الإقلاع عن الشرب، وتغيير نمط حياته، ويؤكد الأطباء والمختصون على أهمية الدعم المستمر من المحيطين به في منعه من العودة للمشروب، فقد يعود بشراهة أكثر بعد الإقلاع عنه، وهناك مراكز متخصصة وجمعيات للعلاج لكنها تتطلب العزيمة والإرادة القوية في التعافي وأخذ العلاج في خطة نموذجية يمتزج فيها العلاج الفردي وجلسات الإرشاد ومجموعات الدعم النفسي والمراقبة.
وتكمن خطورة الخمر في خطورة الكحول الموجود فيه وهو نوعان: كحول الميثانول وهو شديد السمية وتعاطيه قد يؤدي إلى العمى والموت، وكحول الإيثانول أو الأثيلي تختلف نسبه من نوع لآخر حيث تبلغ نسبته في البيرة (4-8)% وفي النبيذ (10-18)% وفي الويسكي (45-55)% وينتج هذا الكحول من تخمير المواد التي تحتوي نسبة من السكريات مع الخميرة أو البكتريا، فمن تخمير الشعير نحصل على البيرة، ومن تخمير العنب أو التوت نحصل على النبيذ، ومن حبوب الذرا نحصل على الويسكي، ومن التين والعنب نحصل على العرق الذي يشربه كثيرون حتى الفتيات ولم يعد مقتصراً على الرجال كما أيام زمان.
* السيد علي عباس، علم اجتماع أشار إلى علامات تظهر على المدمن فقال منها: محاولته إخفاء الخمر، الانطوائية والغياب عن العمل، القيام بأعمال خطيرة لنفسه والمحيطين به، التقلبات المزاجية غير المتوقعة، ظهور الأمراض الجسدية والنفسية.
أما أسباب إدمان الخمور: فهي الهروب من الواقع بسبب العجز عن حل مشاكله الذي يراه في شرب كأس خمر يتجرع فيها أيامه، فالكحول يزيل الفكر ومراكز تأثير المخ المسؤولة عن تشذيب سلوكه والسيطرة على انفعالاته، فيشعر بالراحة والأمان، وقد تظهر منه بعض الانفعالات والألفاظ البذيئة بلا ضوابط ولا حواس، لينسى مسببات انزعاجه وألمه وضغوطاً نالت من سعادته، بالإضافة إلى الخجل والشعور بالنقص وفقد الذات والشعور باليأس كلها تدفعه للشرب والإدمان..

هدى سلوم


طباعة   البريد الإلكتروني