وقـــــال البحــــــر..هيهات بين الصفراء والسوداء

العدد: 
9246
التاريخ: 
الخميس, 6 كانون الأول, 2018
الكاتب: 
شروق ديب ضاهر

نشط التفاعل على صفحات التواصل الاجتماعي إبان مظاهرات أصحاب السترات الصفراء في فرنسا، وامتلأت الجدران الالكترونية بتعليقاتٍ تراوحت بين السخرية والتشفّي، وصولاً إلى حدّ الشماتة، حتى ليخال المراقب أن قاسماً مشتركاً ما يجمع بين أحداث فرنسا والكارثة التي حلت في بلادنا، لكن واقع الحقيقة على الأرض خارج الفضاء الافتراضي لا يتيح مجالاً للمقارنة بين ما قام به أصحاب السترات الصفراء من شغب لم يتعدَّ حدود شغب الملاعب بعد مباراة في كرة القدم، وبين ما قام به أصحاب الرايات السوداء في بلادنا من قتل وتدمير وتخريب تعدى حدود الخيال، وعندما نقول أصحاب الرايات السوداء فهذا يشتمل ضمناً على كل قطع القماش الملونة التي رُفِعَتْ تحت مسمى (الثورة المزعومة).
لم يقم أصحاب السترات الصفراء بتمزيق علم بلادهم، لم نسمعهم ينشدون في الشوارع مطالبين بتدخل القوات الأجنبية، لم نشاهدهم يرقصون كالمجانين يرددون الشعارات الطائفية، لم نسمع على الطناجر دقّاً، ولم نشهد للأنفاق والخنادق حفراً، لم نرَ إطلاقاً اللّحى فوق جعب الرصاص، لم يقتحم أحدهم متحف اللوفر ويحطّم ما فيه من تماثيل وأصنام، لم يقطّعوا رأس أحد أفراد قوات حفظ النظام في شارع الشانزيليزيه على وقع الهتاف والتصليب، لم يخرج بابا الفاتيكان ليبارك لهم غوغاءهم كما فعل عجوز الإخوان المتّكئ على العكّاز في إمارة الغاز، لم ينصب جيرانهم على الحدود الشمالية خيام اللجوء المكيّفة قبل بدء الأحداث كما فعلت تركيا، لم يشارك السفير الأمريكي في مظاهراتهم كما فعل فورد في حماة، لم يلقِ هنري ليفي محاضراته التنظيرية في جموعهم الخانعة، لم تنبرِ الفضائيات الأوروبية تحريضاً وتضليلاً وشيطنةً للرموز وتغييراً للمصطلحات الوطنية في العقول كما فعلت نظيراتها العربية، لم يخرج الرهبان على منابر الكنائس يحرّضون الشعوب على حكوماتها كما فعل الشيوخ في ممالك الرمال حيث تقطّع الحكومات مواطنيها بالمناشير في السفارات. 
لم يلتحق أحدٌ من أصحاب السترات الصفراء بفنادق الخمس نجوم خارج فرنسا ليتابع نضالاته كما فعل مرتزقة البترودولار (الأحرار).
بين السترات الصفراء والرايات السوداء مسافات شاسعة مزروعة بالمفخّخات والمتفجّرات والرؤوس والجثث، مسوّرة بفكر متطرّف أصم، مدعومة بخندق ممتلئ نفطاً وناراً. 
هذه المسافات قطعها رجال الشمس متكئين على دمائهم، واليوم تشرق دمشق على الشمس صباحاً بينما تغرق باريس في ظلمة الدخان.