التشـــكيلي أيمن زهرة: بـــدأت من لا شــيء وتحــدّيت الظــروف وتعلــمتُ من الطبيعــة

العدد: 
9246
التاريخ: 
الخميس, 6 كانون الأول, 2018
الكاتب: 
غانة عجيب

الفنّ هو إبداع وترجمة ما يجول في خاطرنا من أفكار وأحاسيس صادقة، ولغة بلا كلام لا يجيدها إلا الفنان المبدع، فهو يعمل بقلبه وعقله ويديه، هنا نقف أمام حالة فنان تشكيلي مبدع في مجال الفن التشكيلي يأخذ كل شيء من الواقع ويصوغه بصياغة جديدة يعطيه شكلاً جديداً، في لقائنا هذا مع الفنان أيمن صديق زهرة تحدث بداية عن مراحل حياته الفنية منذ طفولته حتى الآن فقال:
ظهرت عندي الموهبة منذ طفولتي أيام دراسة المرحلة الإبتدائية، كانت أختي تدرس في معهد المدرسين (صف خاص) وبحكم دراستها كانت تمتلك كل ما يخص فن الرسم بشكل دائم، كنت آخذ هذه الأدوات بدون معرفة ماذا أريد وماذا أفعل مرات عديدة؟ فاستهوتني الفكرة، أنا ابن مزارع يعيش في القرية ويعمل بالأرض، الطبيعة الموجودة أثرت في نفسيتي وأثناء عملي بسقاية المزروعات كنت أقف أمام لوحة فنية تشكلت على الأرض، الطين مع الرمل والماء يصبح تمازجاً غريباً بينهم، أصبحت ألعب بالطين وأبني منه بيتاً طينياً مدعماً بالأخشاب، أقوم بتجميع الحصى الصغيرة، وأزيّن فيها هذا البيت، فيصبح عندي بيتاً تشكيلياً رائعاً ومميزاً كنت في الصف الرابع الأبتدائي لديّ القدرة في صنع طابق ثان فوق الطابق الأول وبدون أي منغصات، آخذ الطين وأجمعه بقوالب صغيرة وأدعمه بالأعشاب ليعطيه نوعاً من التماسك، وأثناء حراثة الأرض تخرج منها حجارة صغيرة وبأشكال مختلفة أقوم بتجميعها وصنع أشكال مميزة، وأحتفظ بها وبقيت على هذه الحال سنوات.


في الصف السادس الإبتدائي حصلت على مرتبة الريادة بمسابقة الرسم لرواد طلائع البعث، شاركت من خلال لوحة رسمتها، إنساناً على ظهر حصان يحمل راية، في تلك الفترة لم أدخل أي معهد تدريبي للرسم، والأهل لا علاقة لهم نهائياً بتنمية موهبتي، كان اجتهاداً شخصياً تماماً، أصبت بإحباط شديد بسبب اختفائها ولم أعرف أين ذهبت؟ وأثّر ذلك على نفسيتي.
لأول مرة رسمت لوحة مائية كبيرة وأنا في الصف السابع الإعدادي، لوحة الطفل الباكي وتركت في نفسي أثراً طيباً، أصبحت مميزاً في المدرسة في مجال الرسم، بعدها اتجهت لسنوات طويلة إلى جمع الطوابع والعملات من مصروفي اليومي، كنت أنفقه بشراء الطوابع حتى أصبح عندي ألبوم خاص، أقراني من أصدقاء الطفولة ومرحلة الدراسة يلعبون بالألعاب التي يتعارف عليها الجميع، أما أنا كنت أبحث عن حصى صغيرة وأحجار أشكالها مميزة، وأقوم بتشكيل أشكال مختلفة.
الوضع المادي كان يلعب دوراً أساسياً في عدم دخولي معاهد لتنمية موهبتي ودراستها بشكل أساسي وسليم، فاتجهت إلى الرياضة سجلت في نادي كمال الأجسام ونوادي كرة القدم، انتسبت إلى نادي حطين الرياضي ونادي جبلة، وبقيت على هذه الحال حتى حصلت على الشهادة الثانوية، وكان حلمي الدراسة  في كلية الفنون الجميلة، ولكن شاءت الأقدار وحرمتني منها، فالتحقت في صفوف الجيش العربي السوري لأداء مهمة الخدمة الإلزامية، وكانت خدمتي في مدينة دمشق، أثناء فترة الراحة كنت أقوم بزيارة مكتب ديكور وجبصين، استهواني منظره ولفت انتباهي، ففي كل إجازة أذهب مباشرة إليه، أقف طويلاً أمام المحل، أسترق النظر لطريقة العمل، وبقيت على هذه الحالة حتى انتهت مرحلة الخدمة، وبعدها بدأت مرحلة البحث، وأصبح لديّ حبّ للمهنة، وعندي قدرة للعمل بها دون الاعتماد على أحد.
ويتابع زهرة حديثه: أيام زمان كان هناك قوالب يرمى منها الجبصين على الأرض ويسحب عدة مرات وتخرج منها أعمدة وأشكال مختلفة حسب حركة اليد، تعلّمت هذه الطريقة أيضاً، عملت عدة تجارب عليها في البيت حتى أتقنتها، لم تكن لديّ الجرأة في تلك الفترة للاستمرار في البحث، أو إقناع والدي بها، فجوابه كان الأرض بحاجة إلى العمل لا تضيع وقتك بدون فائدة.

                                                                       


أما بالنسبة للدورات التي انتسبت إليها خاصة بفنون الرسم كانت بدايتها في عام 1994 تتلمذت على يد الأستاذ الدكتور علي صالحة، كان عائداً من إيطاليا، وبقيت مدة شهر، حاولت مراراً مع الدكتور حتى أستمر مدة أطول لكنه رفض كوني أخذت منه كل ما أحتاجه، وأنا أدين له بالمعروف، هو من رسخ الفن لديّ، لم أستطع أن أفتح مكتباً خاصاً فأصبحت أعمل ذلك في البيت.
في عام 1997 انتسبت إلى مركز الفنون الجميلة باللاذقية، كان الجو رائعاً لمدة /5/ سنوات، ولكن تخللتها فترات انقطاع صغيرة، وحصلت على شهادة الفن.وفي عام 2002 تخرجت، وعملت بجميع أنواع الفن التشكيلي (نحت، خزف، رسم، جبصين) وأكثر ما يستهويني هو فن النحت، نحت الطين والخشب.
توفي والدي في عام 2002 وهذا أبعدني سنوات عن هذا المجال بشكل كلي، في عام 2005 فتحت المحل، وبدأت بشكل جدي بالرسم، وعملت مشغلاً لصناعة البراويز الخاصة بالرسم خلال مسيرتي كعمل فني رسمت أكثر من/1000/ لوحة شخصية، وشاركت في عدة معارض خلال دراستي بمركز الفنون، وكانت في المركز الثقافي بعدة لوحات، انطلقت من تحت الصفر من الناحية المادية، وتعرضت لضغوط كثيرة من قبل بعض الأشخاص، في معهدي المتواضع هذا تدرب ما يقارب /500/ متدرب من جميع الأعمار، ومعظمهم طلاب جامعة وخريجون أطباء ومهندسون واختصاصات مختلفة من فروع الجامعة، وأحد خريجي المعهد طالب صيدلة ترك دراسة الصيدلة واتجه إلى الفن، وهو الآن في ألمانيا يعمل في مجال الرسم، وهو مبدع، وأقام معرضاً خاصاً فيه، ومنهم من تميّز بالرسم الزيتي.


بدأت التدريس في المعهد في عام 2007 وكانت نسبة الطلاب مرتفعة ، وكنت أدرس على مدار أيام الأسبوع ودفعات متتالية في كل يوم ، أما الآن تقلصت إلى ثلاثة أيام ودفعتين في اليوم، معدل كل مجموعة /6 -7 / طلاب، وهذا التراجع بسبب الأزمة والوضع الاقتصادي الذي طال معظم أفراد المجتمع، ومنذ أكثر من سنة أعلنت عن استعدادي لتدريس الراغبين من ذوي الشهداء وجرحى الجيش العربي السوري مجاناً، وما زالت نفس الرغبة حتى الآن، من يريد الالتحاق بهذا المعهد مهما بلغ عددهم أكون سعيداً، فهذا جزء بسيط واعتراف بالجميل لتضحياتهم التي قدمها ذووهم خلال سنوات الأزمة والحرب الجائرة على بلدنا الحبيب.
تابع حديثه عن المولود الأول لمسيرته الفنية المعرض الذي يقوم بالتحضير له بمشاركة طلاب المعهد الحاليين الذي يبلغ عددهم /20/ طالباً وطالبة، وعلى الأغلب سيكون مكان العرض في صالة المركز الثقافي باللاذقية، طبعاً بعد استكمال جميع الإجراءات، وموعد المعرض في شهر آذار المقبل من عام /2019/ والأعمال المعروضة منوعة بورتريه، طبيعة كلاسيكية، طبيعة صامتة، وبعض الأعمال النحتية والخزفية تكون من أعمالي.
وأخيراً، رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة، وطريق النجاح تتخللها أشواك، نتمنى لفناننا الموهوب والمبدع أن يصل إلى ما تصبو إليه نفسه في هذا المجال، وأن يكون معرضه الأول ناجحاً كما يتمنى ونتمنى له.
 

الفئة: