صوتكــــم وعينكــــم.. مشاهد مكررة

العدد: 
9246
التاريخ: 
الخميس, 6 كانون الأول, 2018
الكاتب: 
سعاد سليمان

كان البيت المهجور أمامي يؤنسني، أسمع مع الصباح الباكر تغريداً محلقاً، أفتح ستائر نافذتي فأرى طيوراً تفترش الشقوق والثغرات تسكنها كبيوت رحبة، تنام فيها قريرة العين والفؤاد، حين تستيقظ ترسل تحيات إلى من يشاء وحيث يصل الصوت الشجي، دون مقابل، فقط قطرات ماء تبحث عنها جاهدة في مكان ما، وقطعة خبز مرمية يحملها منقار جائع وليمة يوم كامل لسكان البيت جميعاً..
حين سكن البيت أصحابه من البشر هربت الطيور ولم تعد، كسا السكان الجدد البيت وأغلقوا الثغرات، والشقوق.. بيوت الطيور المهاجرة، وزينوه ببلور من مرايا عاكسة لبيوت مجاورة ووجوه، ولونوه بعد معارك مع الجدران والأبواب والبلاط والسيراميك.
جاء دور روائح دخان النرجيلة تعبق في المكان وتستمر، وعلى حبال الغسيل ألوان صاخبة، وأشكال مبهرة تنساها صاحبة البيت لأيام متتالية، ترسم قصص قبائل البدو الرحل والغسيل المنشور فوق الأشواك والأشجار البائسة..
وقد لا يمرّ يوم دون أن يعرف أهل الحي جميعاً أن الأسرة تأكل السمك اليوم، أو الشواء، دخان يعمي الوجوه ويسد الأنوف، والنوافذ وكل فتحة في جدار ريثما تأخذه الريح وتمضي.
في الجهة المقابلة، طفل يبكي مع بزوغ الفجر، وصراخ أمه تهدد وتتوعد، يجابهها برمي الأشياء من شرفة تتعب عجوز في تنظيفها، تفتح أبوابها والنوافذ للريح رغم البرد والحر ورغم الحشرات تطير هنا وهناك والقوارض  تسرح وتمرح، نتسلى بمشاهدتها ورصدها.
أكثر ما يؤلم أن تصارع حشرة قارصة تتغذى من دمك طوال الليل، تبحث عنها فلا تجدها وحين تستيقظ ووجهك منفوخ من لسعات حمر مدورة، تجدها نائمة بسلام بجانب رأسك منبع الحياة والسكينة والرزق الكريم لها!
الأكثر إيلاماً، رجل عجوز يجرّ عربة بجهد واضح يحمَل فيها قمامة الحي، ويمضي دون أن نسمع له صوتاً، بينما يحاول الجميع نشر الأوساخ في كل مكان، وفي كل ساعة من ساعات النهار والليل، وهم أنفسهم من يتحدث عن تقصير البلدية وعمال النظافة.
 

 

الفئة: