مقاربة تاريخية لفكرة الجمال بين الشرق والغرب في الجمعية العلمية التاريخية

العدد: 
9246
التاريخ: 
الخميس, 6 كانون الأول, 2018
الكاتب: 
ماهر محمد غانم​

ضمن ندواتها الفكرية والثقافية أقامت الجمعية العلمية التاريخية السورية ندوة حوارية قدّمتها الدكتورة أميرة زمرّد المدرّسة في كلية التربية بجامعة تشرين تحدثت خلالها عن مفهوم الجمال وفلسفته والتعاريف التقليدية الأربعة للجمال من التناسب والانسجام الذي حدده أفلاطون بأن الجمال يكمن في العناصر الفردية لكن ذات الأبعاد المتناسبة إلى المتعة من قبل الشخص الذي يمر بالتجربة الجمالية الحسيّة عبر الرؤية والسماع لأشخاص جميلين أو لأشياء جميلة كما عرفها سقراط.
 ولتنتقل الدكتورة زمرّد إلى أنواع الجمال بين الطبيعي والصنعي ولتبدأ بعدها بمقاربة تاريخية لفكرة الجمال في الفكر الغربي من الفلسفة اليونانية والتي عالجت فكرة الجمال لأول مرة، وهيتشسون الذي ميّز بين القدرة الداخلية لإدراك الجمال والإحساس الخارجي ودافيد هيوم الذي أكد نسبية الجمال إلى عمانوئيل كانط صاحب كتاب (نقد ملكة الحكم).
ولتتابع الدكتورة زمرّد مقاربتها التاريخية لفكرة الجمال في الفكر الشقي عند العرب والمسلمين وكيف وضع الإسلام الجمال في إطار محدد لأنه عند تجاوزه حدوداً معينة يصبح قبيحاً وغير مقبول وانتقلت لفكرة الجمال في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف وإليكم التفاصيل:

الجمال أحد الأفكار الفلسفية الثلاث الأولى منذ الأزل (الحق، الخير، الجمال) وهو معاينة العوامل والمؤثرات المساهمة في تشكيل الوعي الجمالي لدى الإنسان، وعلم الجمال يدرس شعورنا تجاه الأشياء وتجاه هذا الشعور وهو يعنى بتفسير اللذة الجمالية الناجمة عن قيامنا بتلقي القضايا الجمالية مثال: طبيعة الشعور بالجمال والعناصر المكونة له كامنة في العمل الفني.
وأسس علم الجمال بومغارتن في قوله: (بالاستطيقا) وهو فرع من فروع الفلسفة ويعنى بعلم الجمال وحدد موضوعه بأنه منطق الشعور بالجمال ولاخيال الفني، كما شرح بومغارتن أن الخبرة الجمالية لا ترجع إلى النشاط النظري الذي يقوم به الذهن (علوم الرياضيات والفيزياء) ولا ترجع إلى النشاط العملي الذي يحدد السلوك الأخلاقي المعتمد على الإرادة، لكنه يرجع إلى الشعور باللذة والمتعة الذي يستند على اللعب الحر بين الخيال والذهن.
كما أن الجمال هو صفة الشيء الذي يعطينا إحساس المتعة والشعور بالرضا عندما تعيش تجربة حسية، لا يفيدنا الجميل بشيء، وإنما يعطينا فقط إحساساً بالمتعة حيث نرى أن الأداة جميلة أم لا، وهنا فكرة الجمال لا ترتبط مع العقل أو حتى مع الإرادة لكن لا يمكننا العيش بدونه.
ومن جانب فلسفي آخر يعد الجمال فكرة من النبل والسمو الأخلاقي حيث عرف الجمال ومنذ زمن طويل كتقديم حسي للحق.
 التعاريف التقليدية الأساسية للجمال
* التناسب والانسجام: اقترح هذا التعريف أفلاطون بأن الجمال لا يظهر إلا بفضل التطابق الصريح والتناسب والتلاؤم والتوافق في أجزاء الشيء.
وأكد أفلاطون أن الجمال يكمن في العناصر الفردية لكن ذات الأبعاد المتناسبة، وهذا التعريف للجمال معروف في الفنون (كالنحت).
وفيما يخص الجمال الإنساني فإن تناسق الأجزاء مهم جداً، مثال: التناسب بين أصابع اليدين وتناسق اليد مع الذراع. .. الخ.
* المتعة: إذ نحدد الشيء الجميل حسب اللذة والمتعة المحسوسة من قبل الشخص الذي يمر بالتجربة الجمالية الحسية كما عرّفها سقراط: البحث عن هذا الجمال في المتعة التي ترافق الرؤية والسمع لأشخاص جميلين أو لأشياء جميلة، في حين أن الموسيقى الجميلة تعجب الأذن.
كما تحدّث أفلاطون في محاورة بعنوان فيليب ولأول مرة عن متعة ملحقة بالألوان والروائح والأصوات وحسب هذا التعريف إن الجمال يعطي نوعين من المتعة المحسوسة أمام الشيء الجميل وهي: متعة الألوان (كل شيء يثير الانتباه في الشيء أو الشخص) ومتعة الجسد أو اللحم (وهذه المتعة خاصة بالإنسان).
* المفيد: إذ إنّ الشيء الجميل هو الذي يؤدي وظيفته ويكون نافعاً، مثال: عين جميلة ترى جيداً بينما عين غير جميلة لا تؤدي دورها الأساسي في الرؤية.
* الخير (جمال الروح): وهذا التعريف كان معروفاً منذ القديم ويؤكد الصلة القوية بين نوعي الجمال: الجسدي والأخلاقي، إذ لا نستطيع أن نقول عن أحد منا جميل الجسد أنه جميل إذا لم يكن خير ولم يمتلك قيماً أخلاقية.
أنواع الجمال:
هناك نوعان للجمال هما:
* الجمال الطبيعي الذي يظهر بشكل عفوي في الطبيعة.
* الجمال الصنعي الفني الناتج عن النشاط الإبداعي للإنسان، وهو الجمال الإرادي الذي يثيره الإنسان في الطبيعة.ّ
مثال: الجمال الإنساني يكون طبيعياً عندما لا نجري تحسيناً على الجسم أو المظهر الخارجي ويكون مصطنعاً عبر عمليات التجميل.
* مقاربة تاريخية لفكرة الجمال في الفكر الغربي:
عولجت فكرة الجمال ولأول مرة في الفلسفة اليونانية كما ذكرنا في محاورة أفلاطون وهي أول محاورة مختصة بالكامل لإشكالية تعريف الجمال، فقد أغنت الفكر الإنساني بموضوع الجمال وهي أساسية لتاريخ فلسفة الجمال حيث تبدأ بالسؤال ما هو الجمال؟ لتنتهي بأن الجمال هو الجمال.
ولننتقل إلى هيتشسون الذي يرجع الجمال إلى الإحساس بالجميل ويميز بين القدرة الداخلية لإدراك الجمال التي تختلف عن الإحساس الخارجي الذي يعتري الشخص عند المرور بتجربة إحساس ممتعة ولذيذة، فالجمال ليس شيئاً خارجياً فقط وهو يميز بين الإحساس بالجمال والإحساس الأخلاقي.
حسب تعريف أ: د دافيد هيوم الجمال ليس خاصية في الأشياء ذاتها وإنما يؤكد في العقل الذي يتأمله، فكل عقل يتلقى الجمال بشكل مختلف، وبحسب هذه المقولة فإننا لسنا دائماً متفقين حول ما هو جميل، لكن هيوم حاول تلافي هذه النسبية من خلال وضع معايير عامة لتقييم الشيء الجميل، كما دعا في تقييم الجمال إلى ضرورة الاستعانة بخبير أو رجل ذي ذوق أو حس فني لديه إحساس قوي ومشاعر مرهفة وعمل سابقاً في الأنشطة المقارنة وبالحكم على الجمال الفني.
وختمت د. زمرد مقاربتها الجمالية عند الغرب بعمانوئيل كانط صاحب كتاب (نقد ملكة الحكم) أحد الأسس النقدية والذي يشرح فيه كيفية تقييم الجمال أو إطلاق حكم جمالي، وأعطى كانط عدة تعاريف للجمال نذكر منها:
• الجمال هو الرضا المترفع النزيه (الأخلاق والخير).
• الجميل هو كل ما يعجب عموماً دون معنى مجرد أو تصور.
• الجمال هو نوع من القصد أو الغاية من الشيء.
مقاربة تاريخية لفكرة الجمال في الفكر الشرقي (عند العرب والمسلمين)
الإسلام هو اساس الإيديولوجي للمجتمع العربي وتعريف الجمال بحسب الفكر الشرقي بأنه فكرة مطلقة مجردة وليست شيئاً مدركاً بالحواس، وهو جمال إسنادي حيث إن هناك صفات إذا أضيفت للشخص زادته جمالاً، كأن يضاف التواضع على القوة، فالجمال من هذا المنظور هو قيمة موضوعية توجد في كل مخلوقات الله تعالى فهو قيمة تضاف للشيء أو الكائن فتقوده إلى الكمال.
وعن طرق إدراك الجمال: هناك الحواس ومن ثم القلب فالعقل الذي يدرك جمال الأفكار التي تتجاوز جمال الأشياء التي تقع تحت النظر.
وبذلك فإنه من الضروري أن يكون داخل الإنسان نقياً وطاهراً لكي يدرك الجمال أياً كان وأينما وجد.
كما يضع الإسلام الجمال في إطار محدد وذلك لأنه عندما يتجاوز حدوداً معينة يصبح قبيحاً وغير مقبول، فمثلاً من غير الممكن القول عن ممتلك الجمال الجسدي أنه جميل إذا كان متكبراً أو متغطرساً.
وبحسب الإسلام فإن هناك أنواعاً من الجمال:
كالجمال الخارجي (الجسدي) والجمال الداخلي (جمال الروح والأخلاق) وأن الجمال يوجد في كلّ مكان، مثلاً: الجمال في العلاقات الإنسانية التي تساعد على امتلاك قيم جمالية، فالجمال ينقي علاقتنا مع ذواتنا من جهة العدل والاستقلالية، كما ينقي علاقتنا مع الآخرين من جهة أخرى وهذه العلاقة تقودنا إلى فهم معنى التضامن والإخاء.
الجمال الأساسي: الله تعالى هو الجمال ذاته، فالله هو الجميل وهو الذي يخلق الجمال في الكون وفي الإنسان وفي الطبيعة، لذلك يجب أن نحب الجمال في كل شيء لا القبح لأن هذا الأخير مرتبط بالخطيئة ولأنه يستنفذ القوى النفسية والجسدية والخلقية للإنسان.
ولهذا يجب على الإنسان التركيز في تربيته لأبنائه على التمسك بالجمال (التربية الجمالية) فيعلمه تذوق الجمال في كل شيء (مثال: الأصوات الهادئة والكلمات اللطيفة... الخ).
الجمال الإنساني عند المسلمين:
الإنسان من جسد وروح لذلك اهتم الإسلام بجمال الجسد وجمال الروح، والعرب كانوا يتحدثون عن الجمال والقبح وخاصة عندما يتعلق الموضوع بالمرأة وهنالك عدة مصطلحات لغوية تصف جمال المرأة كالحسن الذي هو جمال الجسد مع الصلاح والأخلاق، كما فرق الإسلام بين الجمال البشري وجمال الكائنات الحية الأخرى وجمال الأدوات، فالجمال الإنساني هو الوحيد الحر الذي يضيف للجوهر معاني أخرى مكتسبة، لذلك على الإنسان توجيه كل قدراته المادية والروحية والعقلية باتجاه الخير الأقصى والجمال الأكمل.
ومنذ القدم حاول المفكرون المسلمون تحديد الجمال الإنساني.
ونرى عند شريف الدين رامي في كتابه (أنيس الشقاق) معالجة المصطلحات المرافقة للجمال ويحدد فيه الصفات التي تميز الشخص الجميل وعددها تسع عشرة (الشعر، الجبهة، العيون، الوجه، الشفاه، الفم، الذقن، الرقبة، الصدر، الأصابع، الطول، الأذرع... الخ).
وفيما يخص الجمال الجسدي للمرأة فهي يجب أن تمتلك وركاً نحيفاً ووجهاً أبيض وشفاه لمياء (حمراء غامقة) وعيوناً حوراً وأصابع طويلة ونحيلة وأظافر طويلة ... إلخ.
فكرة الجمال في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف:
جاء في صحيح البخاري عن الرسول الكريم محمد (ص) قوله: (الله جميل يحبّ الجمال) لذلك خلق العالم متجانساً على صورته.
كما يعتبر الإسلام الجمال فكرة دينية لذلك أعطاها أهمية كبيرة ووضعها بين الواجبات التي على المسلم بلوغها.
وهناك فكرة شائعة بين الكثيرين وهي أن الإسلام أهمل الجمال وهناك أدلة على عكس ذلك:
* آيات قرآنية وأحاديث نبوية شريفة تؤكد عكس ذلك.
•• نرى في القرآن الكريم مثلاً آيات قرآنية تصف الجنة والنار بطريقة فنية جميلة وكذلك أقوال عن الرسول الكريم.
لكن الجمال الروحي عند الإسلام أهم بكثير فالرسول محمد (ص) يشير إلى أن الله لا يرى وإنما بالعمل الصالح والقلب السليم نعرفه، لذلك يطلب أن يكون المظهر الجسدي مهما كان نوعه مرفقاً مع نوايا حسنة ومع الصلاح أي أن الجمال هو جمال الأعمال.
 

الفئة: