«بيع الماء بحارة السقّايين».. زيت دمشق في اللاذقية وبأسعار منافسة

العدد: 
9245
التاريخ: 
الأربعاء, 5 كانون الأول, 2018
الكاتب: 
نعمان أصلان

تعد مادة زيت الزيتون من المواد الأساسية على موائد الأسر السورية وقد حقق الإنتاج الوطني من هذه المادة قفزات كمية ونوعية انتقل فيها القطر من مرحلة الاكتفاء الذاتي إلى تحقيق الفائض الذي تحوّل في مواسم الوفرة إلى اختناق تسويقي ما زلنا بانتظار إيجاد الحل المناسب له.
وإذا كانت الظروف الجوية غير الموأتية قد اجتمعت مع عام معاومة للمحصول لتشكل الموسم الأسوأ في تاريخ محافظة اللاذقية تقريباً منذ سنوات، فإن سوق الزيتون وزيته قد شهدا ارتفاعاً غير مسبوق أرجعه المتابعون إلى قلة العرض مقارنة بالطلب الذي تراجع نسبياً مع هذا الارتفاع الحاصل في الأسعار وهو ما أكده لنا الكيميائي يحيى يونس مدير منشأة مشقيتا لزيت الزيتون في الحديث الذي أجريناه معه حول سوق الزيت في محافظة اللاذقية لهذا العام.

الأقل إنتاجية
وفي وصفه لحال الموسم قال: إنه الأسوأ منذ سنوات وهو أمر يعود برأيه إلى الظروف الجوية غير المناسبة وهطول الأمطار في فترة الإزهار وتأخرها في بداية الموسم وانتشار ذبابة الزيتون التي أثرت بدورها على المحصول خصوصاً في ظل عدم ارتقاء مستوى مكافحتها إلى المستوى المطلوب وذلك نتيجة لارتفاع تكاليف أسعار المبيدات الزراعية الخاصة بمكافحة هذه الآفة التي أصابت المحصول الذي زاد من الطين بلة هذا العام كون هذه السنة سنة معاومة له.
وأضاف يونس بأن هذا الأمر قد أدى إلى تقليل عرض المادة في السوق مقارنة بالطلب وهو ما زاد من أسعارها بشكل كبير مقارنة بالأعوام السابقة، مؤكداً أن سوق المادة ومع هذه القلة في العرض ضعيف نسبياً، مرجعاً الأمر إلى كون السعر يفوق القدرة الشرائية للشريحة الأوسع من المواطنين ولاسيما محدودي الدخل.
هذا ويصل سعر الصفيحة من الزيت إلى ما يقارب الدخل الشهري لهم وهو الأمر الذي يضطرهم إلى الاقتصاد في شراء المادة إلى أدنى الحدود الممكنة وإلى اللجوء إلى خلط زيت الزيتون بالزيوت النباتية مؤكداً أن عرض المادة ضعيف في السوق وأن أغلب الزيوت الموجودة هي من إنتاج السنة الماضية.
نسبة الأسيد فوق 5%
بعد إشارته إلى أن نوعية زيت الزيتون هذا الموسم أقل جودة من المواسم السابقة وذلك نتيجة لارتفاع نسبة الأسيد فيها فوق 5% وهي النسبة التي لا تتطابق مع المواصفة القياسية السورية التي تحدد هذه النسبة بـ 3,3، مرجعاً ذلك لعدة عوامل أهمها التأخير في عصر الزيتون بعد قطافه وعصر الثمار التي سقطت على الأرض مع الثمار المقطوفة قطافاً، مضيفاً إلى ذلك تخزين الزيت بعبوات البلاستيك التي تتفاعل مع البيروكسيد والتي تؤدي مع الضوء لتخريب روابط الزيت وتؤثر على نوعيته ولا سيما لدرجة رفع نسبة البيروكسيد التي تعتبر مادة مضرة بالصحة بشكل كبير داعياً لتجاوز الآثار السلبية لتخزين الزيت بعبوات البلاستيك إلى تخزينها بعبوات «التنك» المطلية بـ «اللكر» لكونها لا تتفاعل مع الزيت وتمنع وصول الضوء إليه ناهيك عن كونها أقل سعراً من البيدونات البلاستيكية، كون التعبئة في العبوات البلاستيكية لا تحصل إلا في طرطوس واللاذقية بعد أن تحول مزارعو الزيتون في حلب وإدلب إلى استخدام التنك منذ فترة طويلة وهذا التحول سيحتاج إلى زمن في الساحل على الرغم من الآثار الضارة لهذا الأمر والذي قد يحول الزيت من مادة مفيدة إلى مادة مضرة بالصحة وخصوصاً بالنسبة لزيت الخريج الذي تزيد نسبة الأسيد المرتفعة فيه من إمكانيات تفاعل البلاستيك مع الزيت بشكل يؤثر سلباً على صحة المستهلك.
غش الزيت بالخلط
وأضاف يونس: هذا الارتفاع الحاصل في الأسعار قد أدى إلى تزايد نسبة الغش فيها ولا سيما لجهة خلط زيت الزيتون مع الزيوت النباتية أو لكون أغلب المعروض في السوق والقادم من المصادر الأخرى هو زيت مكرر تنزع منه درجة الحموضة عن طريق التكرير وهو الزيت الأقل جودة من الزيت الطبيعي والذي يترك آثاراً سلبية على المنتج المحلي الطبيعي لكونه أقل سعراً منه لكنّه أقل جودة منه لافتاً إلى أن المستهلك يكتشف هذه الحقيقة ويختار الأفضل في النهاية منوهاً بجهود الرقابة التموينية على صعيد ضبط هذه الحالات ومصادرة غير المطابق للمواصفات منها، مستغرباً عرض بعد أنواع الزيت القادم من دمشق بـ 1500 ليرة للكيلو في أسواق اللاذقية في الوقت الذي تزيد فيه كلفة الكيلو عن هذا المبلغ مؤكداً أن هذا السعر يدل على أن المادة مغشوشة عن طريق خلطها بالزيوت النباتية على الأغلب.
علماً أن زيت الخريج المعروف في بعض مناطق المحافظة هو من أكثر أنواع الزيوت عرضة للخلط كونه يملك ومن خلال الكثافة التي يتمتع بها قدرة كبيرة على الخلط مقارنة بأنواع الزيوت الأخرى.
أسعاره ما بين 1600-1700 ليرة
أما عن الأسعار فقال بأنها تتراوح ما بين 1600-1700 ليرة للكيلو /مبيع جملة/ و2000ليرة للمستهلك في الوقت الذي يزيد سعر التنكة قليلاً عن 25 ألف ليرة وذلك بالنسبة للزيت المنتج في منشأته وهو من الزيت المفلتر المدون للمواصفات المطلوبة وفقاً للمقاييس السورية عليه، علماً بأن تلك المنشأة مرخصة منذ العام 2001 ولديها سجل صناعي يحمل الرقم /2/ على مستوى المحافظة وأن إنتاجها محمي بعلامة تجارية في حماية الملكية الصناعية والتجارية وهو الإنتاج المتخصص في تعبئة وتصفية زيت الزيتون الذي يتم استخراجه من الزيتون المستجر من المزارعين المحليين بعد إخضاعه للتحليل الذي يؤكد مطابقته للمواصفات المطلوبة في المنشأة التي تصل طاقتها الإنتاجية إلى 1000 عبوة وزن 1 ليتر وإلى 10 أطنان من الزيت يومياً في أوقات الموسم علماً بأن أغلب إنتاجها حالياً هو للسوق المحلية وأنها تعمل بخط إنتاج واحد حالياً وأن هذا الإنتاج وصل إلى أسواق الخليج واليمن وروسيا قبل الأزمة التي تركت آثارها على عمل المنشأة التي تتبع أحدث الطرق المتبعة في تصفية الزيت وتخزينه وتعبئته.
مناسب للصابون
وأما الجانب الآخر الذي تعمل به المنشأة فهو صناعة الصابون على البارد وهي المادة المطلوبة للسوق والتي تتوفر مادتها الأولية لديها ولا سيما في هذا الموسم الذي سجل نسبة عالية في إنتاج الزيوت غير المطابقة للمواصفات القياسية وغير المناسبة للاستهلاك البشري والأنسب لصناعة الصابون الذي تتراوح أسعاره ما بين 1000-1500 للكيلو وهو السعر الذي يعود التفاوت فيه إلى استعمال الروائح العطرية مع الزيت أو زيت الغار (زيت الغار الذي تتراوح أسعاره ما بين «3000-4000 ليرة» للكغ علماً بأن سوق صابون الغار قد تأثر بالأزمة أيضاً ولا سيما لجهة التسويق الذي كان يصل سعره إلى 3000 ليرة عندما يكون البيع للسياح وهو ما لم نعد نراه لكون القسم الأكبر من المبيعات هي للمستهلك المحلي الذي لا تتناسب قدرته الشرائية مع هذه الأسعار.
إرادة التجّار
وختم يونس حديثه بأهمية عمل منشآت تعبئة وتصفية زيت الزيتون على صعيد امتصاص جزء من فائض إنتاج هذه المادة وتصنيعه مؤكداً حاجة تلك المنشآت للمزيد من الدعم إن كان من النواحي المتعلقة بخفض الضرائب التي تدفعها أو تخفيض أسعار الكهرباء أو الإقلال من مدة الروتين الذي يحكم ترخيصها الإداري والذي يحتاج إلى كثير من الإجراءات وإلى موافقة الكثير من الجهات بعكس الترخيص الصناعي الذي لا يستغرق الحصول عليه إلا القليل من هذه الإجراءات كما وشدد يونس على ضبط حالات الغش التي يعاني منها سوق زيت الزيتون منوهاً بالجهود التي تبذلها حماية المستهلك وحسب وإنما المنتج أيضاً بعد التأكيد على أن تكون المنافسة الشريفة بالسعر والجودة هي السائدة بين المنتجين الموجودين في السوق وذلك حفاظاً على مصالح الجميع.
 أخيراً بلغ السعر المحدد لصفيحة الزيت من قبل وزارة الزراعة 25,5 ألف ليرة وأن سعر السوق يفوق الـ 30 ألفاً بالنسبة للزيت الأخضر والـ 40 ألفاً بالنسبة لزيت الخريج ليبقى السؤال هل بإمكان المواطن الحصول على زيت زيتون وفق أسعار الزراعة أم وفقاً لإرادة التجار التي على ما يبدو هي المتحكمة بسوق هذه المادة الهامة لغذاء الأسرة السورية.
 

الفئة: