واستعادت ذاكراتي

العدد: 
9244
التاريخ: 
الثلاثاء, 4 كانون الأول, 2018
الكاتب: 
محمد صخر حيدر

 ما استعادته ذاكرتي اليوم، لا يعني أنني أوازن بين زمنين هو عودة إلى موقف وعلاقة إنسانيين، لا أعتقد أنني وحدي مررت بهما، وأخص الزمن في الجامعة.
 كنا في كلية الزراعة في جامعة دمشق، نطالب بتحضير مشروع تخرج، وهو من مستلزمات الحصول على الإجازة العامة في العلوم الزراعية، بعد أخذ موافقة رئيس القسم المعني في الكلية، على موضوع المشروع، وكنت قد اخترت موضوعاً ذا صلة بالأمراض النباتية، بحث مقارن يتناول الحجر الصحي الزراعي في سورية، وبلد أجنبي اخترته، لأن لي أقارب فيه.
 ولا ضرورة هنا إلى التفاصيل، سوى أن المشاريع تلك تحضر في نهاية السنة الدراسية الثالثة، وفي فصل الصيف، وتوضع عليها العلاقة في بحر السنة الدراسية الرابعة.
 أنجزت المشروع، وبقي مخطوطاً. ولا أدري لماذا تكاسلت في طباعته وتجليده، من أجل تقديمه أصولاً، إلى رئيس القسم.
 في منتصف العام الدراسي من السنة الرابعة كنت أشعر أن الدكتور رئيس القسم، ينظر إليّ وأنا في الكلية، نظرات فيها تساؤلات وتعجّب ولا تخلو من عتاب أب على ولده، خوفاً عليه من مكروه، إلى أن استدعاني مرة إلى مكتبه وسألني عن مصير مشروعي. بقيت صامتاً، فلا جواب مقنعاً عندي! لم يكرّر سؤاله، لكنه استبدله طالباً منّي أن أستقبله في منزلي لاحتساء فنجان من القهوة، وهذا الأمر كان عادياً على أيامنا.
 ومن دون إطالة، حضر الدكتور إلى منزلي. وعندما سألته عن كيفية طهو القهوة، قال: دع القهوة جانباً، وهات مشروعك، سكت فأحسست أنني استفززته، فرفع نبرة صوته أمراً إياي أن أحضر إليه المشروع. وإن كان في حاله محظوظاً، ومن أجل الدقة، لم يكن محظوظاَ بالمعنى الدقيق، بل مجموعة من الأوراق والمسودات، التي تحتاج إلى تجميع، أحضرتها إليه.
 وبعد أن اطلع عليها، طلب القهوة، وقادني الى المنضدة مع الأوراق، ولم يفرج عني، حتى أنهيت تبيض مسودات المشروع بترتيب ،من دون الإحساس بمرور الزمن. وإذا كنت قد سهوت ونظرت إلى ساعتي لمعرفة الوقت مرةً، طلب خلع الساعة من يدي، أمراً إياي أن أنسى الزمن.
 بعد أن أنجزت التبيض وتحضير فنجان من القهوة ثان بناء على طلب أستاذي، اختلست النظر إلى ساعة الحائط، فكانت قد تجاوزت الواحدة والنصف بعد منتصف الليل!!
 نلت على المشروع علامة ثمانين في المئة، وتخرجت، وكان ذلك في العام 1978.
 في العام 2006، في إحدى زياراتي إلى دمشق، سمعت صوتاً ينادي باسمي. استدرت إلى مصدره، فكان الأستاذ الدكتور جودت فضول الذي كان مستقبل طلابه فوق الحسابات كلها. فلم يتركني الى أن أنجزت مشروعي. أذكره وأكتب هذا الكلام، وأمنع  بمنتهى الصدق، دمعةً تبارح مقلتي.