المشكلة واضحة فمن يتحرّك باتجاه الحلّ ..هـــل يلتحــق زيــــت الـــــزيتون بـ «غيبوبـــــة الحمضــــيات»

العدد: 
9244
التاريخ: 
الثلاثاء, 4 كانون الأول, 2018
الكاتب: 
غيث حسن

دأب المسؤولون عن القطاع الزراعي على إطلاق الشعارات الرنانة والتغني بالمحاصيل المنتجة محلياً، وتصنيف قسم منها على أنّه استراتيجي، ويساهم بقوة في الناتج المحلي الذي يعود بفائدة كبيرة على خزينة الدولة.
وبين الشعارات وطريقة التعاطي مع هذه المحاصيل تبعثرت زراعتنا وتاه مزارعُنا، وبات يتندّر ويتحسّر على الساعة التي صدّق فيها تلك الشعارات الخاوية من المضمون، وربما شعر في لحظة ما أنّه مغفّل أو مخدوع من قبل من يجلس خلف مكاتبه ويتعامل مع الواقع بلا مبالاة.

في الساحل السوري قتلت أحلام مزارعي الحمضيات بتحسين مردود محاصيلهم منذ عقود، وفشلت كل محاولات القطاع العام في إعطاء المادّة حقها، وتشجيع المزارع على الاستمرار في تحسين الأداء وتقديم منتج منافس يصلح للعرض في الأسواق الخارجية، فبحسبة بسيطة سيجد هذا المزارع أن زراعة الخس أو البقدونس أفضل بعشرات المرات من انتظار واردات الحمضيات، والتجربة خير برهان.
بالأمس طفت على السطح أيضاً بوادر أزمة بمحصول استراتيجي آخر لطالما اعتبرناه درّة التاج في الزراعة السورية، فزيت الزيتون السوري وضع على المحك وبات إنقاذه واجباً وطنياً قبل أن يلتحق بغيبوبة الحمضيات المزمنة.
من المؤكد أن قلّة قليلة انتبهت إلى أسباب مصادرة أطنان من الزيت القادمة من محافظة إدلب، فالأكثرية قرأت الخبر على أن الزيت المصادر تعرّض لعملية غش بفعل فاعل مع أن السبب الحقيقي هو عدم مطابقته للمواصفات، وهنا أس المشكلة ومكمن الحقيقة الغائبة عن المواطن والمسؤول في آن واحد.
فالحقيقة التي يجب معرفتها أن نسبة كبيرة من زيت الزيتون المنتجة محلياً غير مطابقة للمواصفات  بحسب المعايير الموضوعة من قبل المراكز البحثية على مستوى العالم، وهذا الأمر لا يدخل ضمن دائرة الغش والتلاعب بالمادة، بل يعود إلى جهل المزارع بكيفية جعل محصوله مطابقاً للمواصفات ومواكباً للمعايير المتبعة، ويطرح في هذا الإطار غياب معامل تكرير الزيت.
ولو أردنا التوسع بأسباب عدم مطابقة المنتج للمواصفات لاحتجنا إلى مساحة واسعة من الشرح، فالمشكلة تبدأ من القطاف ولا تنتهي بعملية التخزين الخاطئة، والحل دائماً وأبداً يغيب عن غياب الجهات الوصائية التي ذكرناها!.
وبين المزارع وتاجر الزيت وجدنا كلاماً يؤكد بأن المنتج تلقى صفعة لم يشعر بها أحد إلى الآن، ولكنها ستتحول في المستقبل القريب إلى مشكلة وربما إلى أزمة كبيرة، فالتاجر يقول: لم أعد أملك جرأة على شراء أي كمية إضافية من الزيت، فقد اعتدت منذ عشرات السنين أن أذهب إلى المزارعين وأشتري منهم المحصول بناء على مقياس (الأسيد)، فلكل عيّنة سعرها بحسب ارتفاع أسيدها وانخفاضه، ولم أفكر يوماً بباقي المواصفات، لأن ما يهمنا هو طعم المنتج وأسيده، ولكننا اليوم أصبحنا أمام مشكلة كبيرة قد تؤدي إلى مصادرة أي كمية قد نشتريها من المزارع، وربما تكلفنا غرامات وخسائر مالية كبيرة.
والمزارع يقول: ورثنا عن الآباء والأجداد طريقة التعاطي مع المنتج من لحظة القطاف إلى
مرحلة التخزين، فمعظم المزارعين يخزنون إنتاجهم بعبوات بلاستيكية على اختلاف أحجامها، ولم نتعاط يوماً مع ما يسمى مواصفات ومعايير، ومن يريد أن يشتري أي كمية من الزيت يعتمد على التذوق، فربما يعجبه وربما لا، وهذا الأمر متبع منذ عقود ولم يشكُ أحد منه.
أين المشكلة.. وما السبيل إلى الحل؟
المشكلة الحقيقة تكمن في غياب التأثير المباشر لمؤسسات الدولة المعنية بهذا الشأن، فقد يظنّ القائمون على العمل في الجهات المشرفة أن دورهم يقتصر على نشرة توعية تمر مرور الكرام وقد لا يسمعها القسم الأكبر من المزارعين، أو ربما يظنون بأن بعض التحذيرات من أمراض قد تصيب شجرة الزيتون تكفي لتدارك تراكمات سنين من الإهمال والتعاطي مع الشجرة (الاستراتيجية) على أنّها شجرة حراجية نجني محصولها في هذا الموسم ونتركها وشأنها في الموسم التالي اعتماداً على نظرية المعاومة، ونعود لنخزن قسماً من المنتج إلى أيام لا زيت فيها ولا زيتون، لتفقد بعدها المادة خواصّها وتبتعد عن المواصفات الموضوعة مسبقاً.
أما الحل، فإنه يحتاج إلى عمل كبير يقنع المزارع بأنه معنيّ بتحسين جودة إنتاجه، وهذا الأمر لن يكون إلا إن شعر المزارع بأن هذا المحصول سيدرّ عليه أرباحاً جيدة تتناسب مع جهده واعتنائه بهذه الشجرة، وبأن محصوله رائج وعملية تسويقه سهلة، وليس بحاجة إلى تخزينه بطريقة غير صحيّة على أمل بيعه بسعر أفضل في أيام قلّة العرض، ولعل أفضل فكرة يمكن أن تخدم مستقبل هذا المحصول الاستراتيجي هي تفعيل ما اصطلح عليه «ببنك الزيت»، ولا شك بأن مؤسسات الدولة هي الوحيدة القادرة على هذا العمل كي نصل إلى شيء مشابه لمؤسسة التبغ يستقطب المنتجين ويفتح لهم أفقاً لتسويق إنتاجهم بسلاسة وطمأنينة.