صرخة جريح تصدح في فضاءات واسعة فهل من مجيب؟ ..حكـــم «لجــنة الكشـــف» ليــس كلامـــاً مـنزَّلاً والظلــم حــرام ومـرفوض

العدد: 
9243
التاريخ: 
الاثنين, 3 كانون الأول, 2018
الكاتب: 
غانة عجيب

لهم تنحني القامات، وعند جراحهم وآلامهم تصمت الكلمات، شباب بعمر الورد ضحّوا بأغلى ما يملكون، أرواحهم فداء للوطن، منهم من استشهد ومنهم من كانت جراحه بليغة، وأصبح في حالة عجز جسدياً، ولكن معنوياً هم أقوى من قبل، وكلهم أمل بأن يأتي يوم ويمنَّ الله عليهم بالشفاء، لكي يعودوا إلى حمل السلاح، وخدمة الوطن.
عندما تجلس معهم تظن نفسك تعطف عليهم ولكن تتفاجأ بأنك تستمد القوة من عزيمتهم وإرادتهم التي لا تقهر، ومنهم من تعافى، وعاد إلى أرض المعركة بحماس أكبر وأقوى.
نحن أمام قصة عسكري جريح، ولكن إلى جانب جراحه الجسدية ما يفوقها أضعافاً جراح معنوية بفعل أشخاص بدل أن يقدموا له يد العون والمساعدة ليكمل رحلة علاجه الطبية التي لا يعلم إلا الله متى ستنتهي بتروها وتركوه في حالة عوز وحاجة للآخرين وهو من ضحّى وقدم جسده على أرض المعركة.
العسكري الجريح صالح إسماعيل سليمان من قرية فرشات، ناحية حرف المسيترة ريف جبلة، خرجت كلماته ملامسة الروح والوجدان بحرقة ومرارة الحالة التي هو عليها قال: تطوعت في صفوف الجيش العربي السوري صف ضابط برتبة رقيب منذ أكثر من خمس سنوات في اللواء (50) برج الملاحة، اختصاص أرصاد جوية في القوى الجوية، الفرقة (22) مختلطة، ولي الفخر بذلك ورفعت رأسي بهذا التطوع أثناء خدمتي التي قضيتها، كلفت بعدة مهمات في الغوطة، مطار المزة، داريا، بساتين كفر سوسة، عدرا الصناعية، الرمدان، وبعد انتهاء كل مهمة كنت أتشوق وأعشق أن أكلف بغيرها حتى إصابتي وآخرها في محيط مطار التيفور في تدمر إثر اشتباك دار بيننا وبين المسلحين، وعلى أثره أصبت بشظايا قذيفة (آ ر ب جي) في ظهري، ونتج عنها كسر ثلاث فقرات في العمود الفقري، ونزيف دموي في الصدر، وقدمت لي الإسعافات الأولية في مشفى ميداني، وبعدها تمّ نقلي إلى مشفى حمص العسكري في منطقة الوعر، طبعاً هذا حدث في 31/3/2018بقيت في المشفى ثلاثة أيام، وبعدها خرجت منها، وأعلمت قائد وحدتي، ومنحت إجازة نقاهة بتاريخ 16/3/2018 وفي طريق عودتي إلى منزلي لقضاء إجازة النقاهة وما زلت في حمص تعرضت لحادث سير في منطقة قريبة من مشفى حمص العسكري، فتمّ إسعافي إلى المشفى بحكم أنني عسكري، وكنت فاقداً للوعي وفي حالة غيبوبة تامة، وفوق إصابتي إصابة، وقد زادتها تدهوراً وسوءاً، وبقيت في حالة يرثى لها في المشفى في غرفة العناية المشددة لمدة أسبوع، ووضعوا لي مفجّراً في صدري لإيقاف النزيف، والطبيب المشرف على حالتي نصح أهلي بإخراجي إلى دمشق لإكمال العلاج في مشفى تشرين العسكري، فوضعي بحاجة إلى إجراء عملية بأسرع وقت، ومستلزمات العملية غير متوفرة في مشفى (606) في حمص، وبعد جهد كبير تمكّن أهلي من إخراجي بسيارة إسعاف إلى مشفى تشرين العسكري، قبل إخراجي من مشفى حمص قاموا بانتزاع المفجّر من صدري، ووضعوا مكانه قطناً وشاشاً ولم يقوموا بإغلاق الجرح بشكل نظامي، وهذا ما أغضب الطبيب الذي أشرف على علاجي في مشفى تشرين، ومرة ثانية وضع لي مفجّراً في صدري، وهذا كان سبباً في تأخير عمليتي، وزاد وضعي سوءاً الدم الذي يملأ صدري والهواء، وبعد تأكد الطبيب إنه بإمكانه إجراء العملية لي، قام بذلك، وبقيت في المشفى حتى اطمأن الطبيب على وضعي، ولم يبقَ لدي إلا العلاج الفيزيائي والنقاهات، وهذا يحتاج إلى وقت طويل، ولا داعٍ لبقائي في المشفى،  يمكنني تلقي العلاج في المنزل بإحضار المعالج الفيزيائي، أو أي مركز قريب لمنزلنا، عدت إلى قريتي وكلي أمل أن أشفى وأعود للانضمام مرة ثانية لصفوف الجيش العربي السوري إلى جانب رفاق السلاح، لا أفكر بحالتي الصحية التي وصلت إليها (شلل نصفي) في جسدي.
ويتابع: في أول مرة ذهبنا إلى اللاذقية لتلقي العلاج في المشفى العسكري وكنت بحاجة لإجراء عملية قثطرة بسبب تدهور حالتي الصحية أجري لي اللازم وعدنا إلى منزلنا الذي يبعد عن المشفى مسافة زمنية وقدرها ساعتان بالسيارة، وبعد أسبوع عدنا إلى المشفى للمراجعة، ولكن ما أحزنني وقتل كل أمل في نفسي عدم استقبالي كجريح، ولم يقدموا لي أية خدمة فعدنا أدراجنا حاملين آلامنا وآمالنا الخائبة من ذلك.


ذهبت بي أمي إلى مدينة جبلة إلى مركز فيزيائي خاص، وأجرى الطبيب اللازم ولكن بسبب وضعي المتدهور اتفقت أمي مع الطبيب على زيارتنا في المنزل ومعالجتي فيه كراحة لي، ولكن مادياً بدأ وضعنا يتدهور شيئاً فشيئاً، وبعد عدة زيارات للطبيب المعالج في المنزل الذي كان متسامحاً في أجرته، ولكن تكاليف السير  كانت مرتفعة جداً، ساعدنا هذا الطبيب في الحصول على بطاقة لتلقي العلاج في المركز  الصحي في القرداحة، جهزنا الأوراق كلها، وحولنا إليه مشكوراً، وعلى نفقتنا الخاصة نذهب إلى المركز بسيارة أجرة، أولاد الحلال نصحونا أن نستعين بسيارة الإسعاف الموجودة في المركز الصحي في حرف المسيترة فهي مريحة بسبب بعد المسافة، وأفضل من الناحية المادية، ولكن مع الأسف كان رد الطبيبة المسؤولة عن المركز بالرفض بحجة أن السيارة تخدم المناطق القريبة من المركز وهي غير مسؤولة عنهم.
ويتابع الجريح حديثه وكله حزن وغصة: منذ ثلاثة شهور تمّ إبلاغي للحضور إلى المركز الطبي في الرمل الشمالي في اللاذقية لعرضي على اللجنة لتقدير حالتي الصحية، ذهبت في اليوم المحدد ومعي جميع الأوراق والثبوتيات التي تثبت حالة إصابتي، مثلت أمام اللجنة والذي أدهشني لم تطرح عليَّ أي سؤال حتى لم تكلف نفسها عناء الاطلاع على الأوراق، بل على العكس مع الأسف الشديد هذه اللجنة كان حكمها عليَّ أشد ألماً من إصابتي فهي دمرتني وحرمتني من أبسط حقوقي كجريح حرب قرروا نسبة العجز في حالتي الصحية 90% نسبة عجز ولكن ناجمة عن غير الخدمة، هم أصابوني بالعجز أكثر من إصابتي، ظلموني وحرموني من أبسط حقوقي العسكرية، من ينصفني، من يعيد إليَ كياني وحقي الذي هدروه، هم حرموني من راتبي الذي أنتظره  بفارغ الصبر حتى أستكمل علاجي الفيزيائي، والدتي غير موظفة، وهي تعمل كل يوم بيومه حتى تستطيع تأمين أضعف مستلزماتي الطبية.
والدة الجريح تكلمت وهي تذرف الدموع مع كلماتها، يملؤها الحزن والألم والعتب من كل شيء قالت: تعبت من العمل، اليوم الذي أعمل فيه نعيش فيه، وأصبحت مريضة سكري من حزني على ابني ومن كثرة العمل، وهذا لا يهمني، المهم أن أقدم لابني جميع متطلباته الصحية، وبسبب بعدنا عن المركز الصحي والارتفاع الباهظ في أجور السيارات اضطررت أن أترك القرية وأستأجر منزلاً صغيراً قريباً من المركز في قرية كفر دبيل توفيراً للمال لاستخدامه في علاج ابني، أبوه بالاسم موجود، منذ سنوات طويلة يعيش في لبنان، وهو لا يسأل عنا، فأنا  مسؤولة عن العائلة ولا واحد موظف ولا نطلب المعجزة في ابني ووضعه، نطلب حقه الطبيعي وإنصافه كجريح حرب ومنحه حقوقه كغيره من رفاقه الجرحى.
هل الفقراء مكتوب عليهم الشقاء والحرمان من كل شيء؟ طلبنا هو حماية حقوق ابني واعتباره جريح حرب، وضمان استمرارية راتبه العسكري، لعله يخفف عني قليلاً من أعباء علاجه.
الله يشفي جميع الجرحى ويرحم جميع الشهداء، نحن قدمنا أبناءنا عربون عرفان وولاء لهذا الوطن وقائد الوطن، ولسنا نادمين، ولو كان عندي غيره لأرسلته للتطوع في صفوف الجيش العربي السوري.
 

 

الفئة: