ماسح الأحذية .. لا أحد يموت من الجوع!

العدد: 
9243
التاريخ: 
الاثنين, 3 كانون الأول, 2018
الكاتب: 
هدى سلوم

شغلت تفكيري، تجلس على طرف صندوق خشبي مع والدها، سألتها ما اسمها؟ فتدارت عن وجهي خلف والدها الذي ضحك وقال: دانا، صغيرتي ونجم ليلي.
مجموعة من الفتيان والشباب يجلسون على صناديقهم المقفرة بعيون حزينة على أرصفة مهنة لا تغني ولا تسمن، كل منهم يخطو بنظره على أرجل ناس قادمة، ويمسح وجوههم ليلمع الأمل داخله عند اقتراب أحدهم ليضع حذاءه على الصندوق، ولكل منهم مقاس وقياس، فمنهم من يدفع دون سؤال مع حبة مسك، وتكون عندها (مسّيح جوخ) ومنهم من يعاند ويلقي عليك اللوم ببأسه، ويصب على مسامعك مأساته فتكون (مسّيح دموع) وأي بؤس؟
هذا ما أشار إليه أبو دانا الذي جلس مع زملائه في نسق على ناصية ساحة الشيخ ضاهر، تحاصرهم مقاهٍ على الأطراف، تمتد طاولاتها إليهم، انطوى كل منهم على ذاته، ولملم أطراف بصره وشتات فكره، وراح عنا يردد: لا تصوير ولا كلام في بداية حديثنا معه، وتابع حديثه وفيه حشرجة  قهر وخجل لتتدحرج كلماته أمامنا  وتصب في آذاننا أنيناً وضجيجاً: لا أحد يموت من الجوع، وما خليت من الناس (الأكابر الرايقة) لكن هذه الأيام باردة وثقيلة، وشمسها حاسرة على الجميع وأضاف:
صحيح أني أعرف القراءة والكتابة، وتعلمت في المدارس، لكني لم أنل منها شهادة ثانوية ولا حتى إعدادية، لأتخرج من مدارس الحياة وعتباتها دون أن أحظى بعمل أفضل، وليس لي خيار فأين البديل؟
ماسح الأحذية كغيره من الناس المعتّرين، الذي يقتاتون على فتات آمال، ولا ولائم باذخة بأحلام أو حياة، مهنته بسيطة، ولا تحتاج علماً أو بحثاً، فقط مهارة بفن تتقن صياغته وصباغته وتلوينه على فردتي حذاء، وثلاث أدوات لا غير (بوية، ممسحة، فرشاة) ولنا فيها فن وشطارة ولمعة نقود وليرات قليلة لا تتعدى المئتين.
كل يوم نحن على هذه الحال، نأتي من ساعات الصباح، وبالتحديد الثامنة صباحاً على أوقات تدفق الناس إلى أعمالهم ووظائفهم، لنكون على أهبة الاستعداد لأي طلب منهم بحذاء لامع يومض به إشراقاً ولقاء وبخفي حنين إلى حبيبته، أو مكانة ووجاهة في وظيفة أو اجتماع عمل يعتلي بها على الرفاق أو لياقة أو نظافة أو ..، الكل يسعى إلينا بأوجه ومقاسات، والرزق (عال العال) والحمد لله.
يطلق الآه وكأنها صفّارة إنذار ويقول: لم يعد في هذا الزمان أصحاب ورفاق بل زملاء عمل فقط، كنت قد تزوجت وأنجبنا (رغد)، ولكن هذه الأحداث أثقلت علينا كثيراً، وأسدلت من ظلماتها سواداً وجحيماً لأكون في السجن دون سؤال مجرد تشابه أسماء، وهيهات إلى أن وجدت من يوكل لي محامياً ليرفع أمري إلى القاضي الذي ما إن سمع قصتي حتى وجه وجهه وسؤاله: لماذا أنت هنا، من أتى بك؟ 
ليس لي أهل، والداي متوفيان، وزوجتي كانت قد هربت بابنتي إلى لبنان، وما إن خرجت حتى سألتها أن تعود، لكنها رفضت الأمر، فطلبت منها ابنتي دانا، وسرعان ما لبّت النداء.
دانا صغيرتي، سعادتي، أستأنس بها وحشتي ووحدتي وغربتي، هي رصيدي من هذه الدنيا، ولم تتجاوز ست سنوات وتبقى عند أختي خلال أوقات عملي، لكنها تعلقت بأطرافي اليوم تناشدني أن ترافقني، فما كان لي خيار تحت وطأة عينيها إلا أن أحملها بين خافقيّ وآتي بها.
أسألها: لماذا أنت لست في المدرسة؟ تحجم بكلامها وتصمت، فيرد والدها: في العام القادم ستكون في المدرسة، لكن وقت سألناها إن تعلمت شيئاً عن (البوية) وعمل أبيها أو شاركته وجربت العمل، سرعان ما ردت: نعم أحببتها تشبه الألوان على الأوراق.
نعم يا دانا، ألوان تنقش على أوراق روزنامة الأيام، تنقضي وبحساب نهاية كل شهر معاش.
 

الفئة: