حلب تعود إلى معادلة الحياة السوريـّة وتشرق شمسها في تفاصيلنا

العدد: 
9228
التاريخ: 
الخميس, 8 تشرين الثاني, 2018

مـــن «يعرجــل» سقف بيته جيـّداً يجنـّـــب نفســــه مغبـّـــة (الدّلف) وينام آمناً

تصحيح «الأوضاع الوظيفية» يبدأ من الكرســيّ ولا يتوقف عنــــد الرّاتـــــــب

شـــريان حلب - اللاذقيـة   سـينبض بالخـير ويفيـض في الاتجاهـــــــــين

عنوانان كبيران جذبا المهتمّين خلال الأيام القليلة الماضية أولهما زيارة الفريق الحكومي كاملاً إلى محافظة حلب وغبار الطلع الذي خيّم على أجواء هذه المدينة الخارجة من ويلات سنين من المعاناة والغربة، والعائدة بكلّ الشوق والابتهاج إلى آفاق الوطن، وثانيهما اجتماع الجهاز المركزي للرقابة المالية في دمشق وما يرشح عنه من توجهات مطلوبة ننتظر أن تكون في قادمات الأيام واقع عمل يعيد ترتيب الأولويات ويسير جنباً إلى جنب مع ورشات إعادة إعمار سورية الحبيبة..
حلب.. حيث يحطّ كلّ قلب رحاله، يحدّق النظر على كلّ مفرق أو تقاطع، إذ لا يعرف من أين يطلع له سيف الدولة، أو متى يدعوه المتنبي إلى دوحة شعره.. 
حلب القلعة والخندق والعزيزية والجميلية وسيف الدولة والسبيل هي اليوم كما كانت كل يوم قلب سورية وقبلة شمسها وزغرودة عشقها..
لن نكثر من (الكلام العاطفي) وأخبار زيارة مجلس الوزراء إلى حلب أكثر من إيجابية، وأنّى يهطل المطر سينبت العشب ويحلو الثمر، ونتوقع أن تكون هذه الزيارة مطراً ينهض بإمكانيات حلب ويعيد قدراتها إلى معادلة الإنتاج الوطني.​

كتب – رئيس التحرير
(. . فقد أقر مجلس الوزراء استراتيجية شاملة للتنمية والتطوير في حلب من النواحي الاقتصادية: الزراعية والصناعية والتجارية، والخدمية والتنموية والبشرية والسياحية والتربوية والتعليمية والصحية والإعلامية والثقافية والاجتماعية، وعلى مدى عدّة أيام تمّ رسم رؤية لتأهيل الأسواق القديمة في مدينة حلب ودراسة إعادة افتتاح سوق الإنتاج في حلب، واستكمال فتح الطرقات الرئيسية بالمدينة والبدء بتأهيل الأسواق وفق برنامج زمني محدد، وإنشاء معامل قادرة على تلبية احتياجات المواطن كافة، ودراسة للمنطقة الحرة بحلب واستثمار أملاك الدولة بما يحقق البعد الوطني في هذه الاستثمارات، إضافة إلى حزمة إجراءات لدعم الصناعة الوطنية لاستعادة قدرتها الإنتاجية وتسهيل عودة الصناعيين إلى معاملهم بعد تحريرها من الإرهاب وتوفير ما يحتاجونه من خدمات وبنى تحتية . .).
زيارة الحكومة إلى حلب لا يمكن اختصارها بعناوين، ولم تقتصر على جلسات عامة، بل تضمنت الغوص في تفاصيل عمل كل وزارة على حدة، ومن المؤكد أن تكون هناك ترجمة حقيقية وسريعة لخلاصات هذه الزيارة، وتوفير ما تحتاجه من مقومات التنفيذ . .
وعلى هذا الأساس، ونظراً لما ستعكسه عودة حلب إلى معادلة الاقتصاد الوطني، فإننا نتمنى ألا يكون هناك أي إبطاء في تنفيذ هذه الجهود ووضع الاستراتيجيات والخطط موضع التنفيذ مباشرة، فقد اشتدت المعاناة المعيشية لكافة السوريين عندما خرجت حلب من المعادلة بفعل الإرهاب، وبعودتها إلى دورها الكبير في حياتنا نتوقع أن تتحسّن هذه التفاصيل بالتوازي مع نسب التنفيذ على أرض الواقع.


شريان حلب – اللاذقية
لم تكن المسافة بين حلب واللاذقية بعيدة في يوم من الأيام، ولئن باعد الإرهاب بينهما بعض الوقت فإن انتصارات جيشنا البطل ألغت كل المسافة فكانت حلب في اللاذقية وكانت اللاذقية في حلب، واليوم ومع بشائر عودة حلب إلى ريادتها الصناعية سيكون مرفأ اللاذقية هو الوجهة استيراداً وتصديراً، وهذا يعني خيراً دافقاً في الاتجاهين على كافة الصعد . .
إعادة فتح كل الطرق، وتأهيل السكك الحديدية وعودة عجلة الإنتاج سيجعل سوق المحافظتين واحداً في القريب العاجل.
من حلب إلى دمشق
من جهة أخرى، بدأ الجهاز المركزي للرقابة المالية مؤتمره السنوي الثالث في مكتبة الأسد يوم الثلاثاء (أمس الأول) في مكتبة الأسد بدمشق وحسب الخبر الذي عمّمته وكالة الأنباء السورية (سانا) عن افتتاح المؤتمر فقد ناقش المؤتمرون أداء الجهاز المركزي من خلال عدة عناوين واختتم الخبر بتعريف الجهاز المركزي للرقابة المالية على أنّه هيئة رقابية مستقلة ترتبط برئيس مجلس الوزراء وتهدف إلى تحقيق رقابة فعّالة على أموال الدولة ومتابعة أداء الأجهزة التنفيذية الإدارية والاقتصادية لمسؤولياتها من الناحية المالية ويختص بتدقيق وتفتيش حساباتها . .
أهمّ النقاط التي أتى عليها هذا المؤتمر يمكن تلخيصها تحت عنوانين كبيرين الأول 
(حماية المال العام)، والثاني (مكافحة الفساد) 
وذهب الحديث إلى عناوين أخرى تطرقت إلى (المشروع الوطني لمكافحة الفساد) 
و(الرقابة الوقائية) التي تمنع وقوع الخطأ أو الاختلاس وبالتالي (توفر مليارات الليرات قبل فقدانها) ومناقشة (الجدوى) للعديد من المشاريع الاستثمارية التي تقوم بها المؤسسات العامة، وحديث عن (القطاع التأشيري) في الجهاز يهتم بكل ما يتعلق بالأوضاع الوظيفية للعاملين منذ تعيينهم وحتى إحالتهم على المعاش ولا سيما مواضيع المسابقات والترفيعات. 
بالمقلوب
سنبدأ بالمقلوب، وبالتحديد من (الأوضاع الوظيفية للعاملين) ونسأل هنا: ما هي المعايير التي يتمّ بموجبها تقييم هذه الأوضاع، وهل يؤخذ فعلاً بالأسباب وبالتفاصيل كما هي، أم أنّ تقاريراً يعدّها مديرون ومستفيدون أو على الأقلّ غير (تعبانين) هي التي تقول كلمتها بهذا الخصوص؟
هل ستأتي النقاشات (وتتبعها الحلول) لإلغاء الفوارق بين موظف المركز (الإدارات المركزية) ونظيره في الفروع التابعة لهذه الإدارات، وهل ستُبتر اليد التي كرّست هذه الفوارق، أمّ أنّ الحديث بـ (العموميات) هو الأسهل؟
نسمع عن توجّهات (جادة) بهذا الخصوص، لكن على الأقلّ فإن عمر ما نسمعه سنتان، (ولو بدها تشتي غيّمت) كما نقول في أمثالنا الشعبية..
كنّا نرى ونحن صغار أشياء لا نفهم معناها فنتجاهلها، وعندما كبرنا لم يعد بمقدورنا أن نفعلها فخسرنا قيمتها، وبين شبابنا وشيبتنا (ضاع العمر يا ولدي)!
كنّا نستغرب لماذا يضع القرويون (الفزّاعات) في حقول القمح والذرة على سبيل المثال، وعندما كبرنا رأينا من ينزع (هذه الفزاعات) لتمرح الطيور، وتطير بـ (أرزاقها) متذكّراً قول جدّتي تفسيراً لوضع عناقيد العنب المتدليّة من (العرّيشة) بأكياس من الورق: لا تستطيع أن تنزع حبّة العنب من منقار الدوري، فامنع منقار الدوري عنها، وهذا يشبه (الرقابة الوقائية)، وهو توجّه إيجابي مطلوب إذا ما أخذ بمعايير واضحة وبإجراءات استباقية قويّة، فنوفّر فعلاً مليارات الليرات (قبل فقدانها) . .
في بيوتنا (الضيعجية) القديمة (بيوت الطين) وقبل بدء موسم المطر، كان يخرج كل صاحب دار إلى سطحه، فيرشّه بالماء ثم يدحله (يعرجله) فيغلق بذلك الثقوب والتشققات التي أحدثتها حرارة الصيف بالسطح فيمنع أو يقلل تسرّب المياه إلى داخل البيت، وهذه أيضاً (رقابة وقائية)، ولأننا مازلنا تحت عنوان (الأوضاع الوظيفية للعاملين) فإنّ الثقب الأكبر الذي يجب عرجلته هو (جيبهم)، وإذا ما تمّ ذلك فسيتمّ تحييد 50% على الأقل من المستعدّين للفساد، وأخبار اليومين السابقين حملت ما أعاد رسم التفاؤل ولو بشكل جزئي ونحن كإعلام ستكون لنا حصّة كبيرة من هذا التفاؤل . .
من أكثر العوامل إنجاحاً لـ (الرقابة الوقائية) إلغاء كل بند من أي قانون أو قرار يترك المجال مفتوحاً للتأويل والتفسير وأن تكون بنود أي قرار من بابها إلى محرابها بـ (القلم نشرح).


حماية المال العام
عندما يكون سقف إصلاح سيارة أو باص أو . . في السنة يعادل نصف سعرها، ومع هذا نتمسّك بهذه السيارة فهذا لا يندرج تحت بند (حماية المال العام)، وبالتالي البحث عن مخارج لعشرات الآلاف من هذه الحالات مطلوب وبإلحاح . .
قرأت منذ فترة اقتراحاً بتخصيص بدل مواصلات لمن يحقّ لهم التخصيص بسيارات حكومية على أن يتمّ التخلّص من أسطول السيارات الحكومية أو تقليل عدده ما يوفّر الكثير الكثير من المال العام.. هذا كلام يُسمَع . .
وعندما تُمنح الفروع صلاحيات ونوعاً من الاستقلالية نوفّر يومياً كثيراً من الورق والحبر والاتصالات . .
وعندما لا يحتاج تنسيق بعض الكراسي والأضابير إلى لجنة مركزية نوفّر أذون سفر وتكاليف استقبال وغير ذلك . .
ملخص ما سبق: المال العام لا تحميه القرارات لوحدها وإنما تحصّنه سلوكيات وإجراءات عملية تنظر إلى العامل في أي محافظة من ذات المنظار الذي يُنظر به إلى موظف الإدارة المركزية . .
كثير من المديرين في محافظتي اللاذقية وطرطوس لا يدلون بأي تصريح صحفي قبل الحصول على موافقة إدارتهم المركزية أو وزارتهم، وعندما يلاحظون استغرابنا يقولون لنا: هكذا هي التعليمات! مجرّد الاتصال مع الإدارة المركزية أو إرسال الفاكس لها يكلّف مالاً عاماً.
مكافحة الفساد
ما هو الفساد؟ وهل هناك عمل جاد لمكافحته أم أنّ ذلك أمنية مضافة إلى جملة أمنيات تراكمت في ذاكرتنا نتنادمها على المنابر وعلى عناوين الأخبار؟
دخان دراجة نارية في شوارع مكتظة فساد، وتوقّف السير في مدينة لمرور قطيع غنم فساد، واستغلال المنصب الوظيفي لمصالح شخصية فساد، وحلّ الكلمات المتقاطعة في أماكن العمل فساد، وتهريب وتبييض الأموال وتمرير المشاريع المشبوهة فساد، وبعض القوانين فساد!
وحتى لا يمسكنا أحدٌ من لساننا فإن ما عنيناه بـ (فساد القوانين) هو أن تساوي الغرامة التموينية بين تاجر في كشك مساحته (1 م2) وبين (مول) يحتلّ نصف حيّ عندما يتعلّق الأمر بنفس المخالفة..
والفساد أيضاً في المصطلحات كأن نعتبر ترك بقايا الطعام في الغابة جريمة بيئية تماماً كحرق متعمّد لهذه الغابة وإن اختلفت (العقوبة المادية الملموسة) لكلّ منهما . .
والفساد أيضاً أن نقول غير ما هو موجود كأن نتحدّث عن امتحانات أو مسابقات توظيف جرت بنزاهة ونحن متأكدون أنّ هناك الكثير من العبث بها، ويستغرب القائلون كيف لا يصدّقهم الآخرون!
مكافحة الفساد تتطلب اجتثاث مسببات وجوده واستفحاله، والطريق إلى ذلك واضح المعالم، ولا يحتاج إلى كثير من التنظير، ولا إلى اتفاقيات أو رصد ميزانيات جديدة، عودوا إلى النقطة التي بدأنا منها وهي (الأوضاع الوظيفية) ولا تختصروا ذلك بـ (الراتب) على أهميته، فهناك الكرسي التي يجلس عليها، وهناك دورات المياه، وهناك النوافذ و . . .
ونضيفكم من الشعر بيتاً
لسنا مختصّين اقتصاديين أو سياسيين أو حقوقيين ولا مشرّعين، ولكنّنا تشرّبنا جزئيات العمل وقد بدأت ترشح من مساماتنا، وبناء عليه يمكننا كإعلام وطني أن ندلو بدلونا دون أي بهارات قد تخرّب (الطبخّة) بدل أن تزيد من لذّتها . .
* كما أصبح الفساد (منظومة) لا تستقيم إلا بطرفين، فإن مجابهته تحتاج إلى منظومة تؤطر الطرفين نفسيهما، وهما الشخص والأدوات (وتشمل هذه الأدوات التشريعات والقوانين).
* لكل حالة تفاصيلها الخاصة، وطريقة معالجتها المحددة، وبالتالي لا تصلح القوالب الجاهزة للتصدّي لهذا الفساد.
* لن يشارك أي شخص جاداً بعملية مكافحة الفساد بمختلف أشكاله ودرجاته ما لم يشعر أنّه مستفيد من هذه العملية، فحتى فروضنا الدينية نؤديها ابتغاء مرضاة الله والفوز بأجره (جنات تجري من تحتها الأنهار) . .
في الملموس . .
لا ننتظر أن يتمّ منح الفرصة مجدداً أمام شركات أو رجال أعمال لم يثبتوا خلال سنوات الحرب كفاءتهم الوطنية، ولا ننتظر أن نسكب ماءنا فوق الرمل، أو نزيل (الفزّاعات) من حقول قمحنا . .
الضرب بيد من نار وحديد على كل يد تحاول العبث بغدنا مطلب شعبي متفق عليه، ودعم وحماية الكفاءات والمبادرات الإيجابية واجب على الدولة بكلّ مؤسساتها، وتقييم كلّ مرحلة وفق مقدماتها ونتائجها سيزيد من درجة الإقناع . .
المحاسبة مطلوبة، والوصول إلى التفاصيل أمرٌ تفرضه متطلبات هذه المرحلة، وإعادة إعمار بلدنا واجب علينا جميعاً.

 

 

 

الفئة: