الموسيقا.. لغة الشعوب

العدد: 
9228
التاريخ: 
الخميس, 8 تشرين الثاني, 2018
الكاتب: 
نعمان إبراهيم حميشة

 للموسيقا دور كبير في الحياة والمجتمع والارتقاء بالحسّ الجماهيري العام، وهي أحد العوامل الرئيسية للثقافة ولها دورها في تطوير الوعي والحسّ الإنساني والجمالي وارتقاء الأمم وسموّ الشعوب عبر الكلمة المعبرة واللحن المبتكر والأداء المتقن والصوت الشجي، وكما يقول إدوارد سعيد: (الموسيقا تعطيك المجال لتهرب من الحياة من ناحية، وأن تفهم الحياة بشكل أعمق من ناحية أخرى).
الموسيقا غذاء الروح ولغة الشعوب بأسرها وأرقى الفنون وأقواها على الاستنفار الحسي، تغذي الروح وتطرب الأسماع، وفي الماضي كان للحرب فرقة موسيقية تدق موسيقاها بالطبول (يقرعون طبول الحرب) لبثّ الحماس والنخوة والوطنية في روح الجنود، ويُعدّ الملك الفرنسي الطاغية لويس الرابع عشر (1632-1687) أول من أدخل فرقة موسيقية إلى قصر فرساي وصارت باريس قبلة الأوربيين.
 الأدباء مولعون بالموسيقا، واللغة العربية متلازمة متلاحمة معها شعراً ونثراً عبر الكلمة الشاعرية الرقيقة المنتقاة بالموهبة والتعب والسهر الطويل، والصوت الجميل القادر على التنقل بين المقامات الموسيقية العربية الأصيلة.
 للموسيقا أهمية في حياة الإنسان وتلبية احتياجاته النفسية والمعنوية وتحسين مزاجه العام وجعله أكثر سعادة، وتبعث على التأمل وتحفيز التفكير الإبداعي وتخفيف ما يشعر به من طاقة سلبية، ويمكن استخدامها كعلاج للأمراض والاضطرابات العصبية، وتساعد المصابين بالخرف على عدم الاستسلام لليأس كونها تحفز الخلايا العصبية للدماغ واستعادة نشاطها وترتيب أفكارهم، وتساعد المرضى في قاعات الانتظار وقبيل خضوعهم للعمليات الجراحية لتخفيف أثر التوتر والألم عليهم، وتلغي الإحساس بالزمن لربّة المنزل والرياضي والمسافر الذين يساعدهم الاستماع إلى الموسيقا في تخفيف وطأة مرور الوقت خلال ما ينفذونه من أعمال، وكما يقول الفارابي: (الموسيقا تلغي الإحساس بالزمن).
 بعض الناس يحاول الابتعاد عن الأغاني الحزينة ظناً منهم أنها تزيد في آلامهم ومعاناتهم النفسية وخاصة إذا توافقت كلماتها ومعانيها مع مواقف تعرض لها الإنسان في حياته الماضية.
تتوقف مباشرة وتتفاءل بدون سبب عند سماع موسيقا راقصة يرافقها الغناء، والإنسان يستمتع بالموسيقا التي تألفها الأذن عندما يرافقها صوت جميل يضفي على الجو البهجة والألفة ويرسل فيه الذبذبات المولدة للرغبة في الرقص، وتعيا العين بالإبهار البصري والأنوثة الفياضة والراقصات اللاتي يتمايلن كالطواويس رافعات رؤوسهن في زهوٍّ، وكما تعلمون في الرقص كما في العبادة لا يحتاج الإنسان إلى حذاء.
علينا تغيير النظرة المجتمعية السائدة للموسيقا بوصفها وسيلة ترفيه مرافقة للأعراس وحفلات الرقص ووجبات الطعام، والدول تعتز بعمالقتها الموسيقيين الخالدين، هناك موسيقي عالمي إيطالي حاول تصوير فصول الطبيعة الأربعة بالموسيقا، مثلما يحاول الآخرون تصويرها بالفرشاة والألوان والريشة والحبر, ونجم البلوز الأمريكي الشهير جيمس براون قال ذات يوم: (إنه يستطيع حمل القردة على الرقص): (لأنني أنفخ مثل الأرواح الشريرة)، وهو ما جعل زوجته التي ترقص وتترنح وتسقط بعد أن انقض عليها بيده الحديدية وهي في السبعين من العمر لأنها تصفه: (بالماجن الذي قد يطلب أن يُلف بفستان امرأة لا بالعلم الأمريكي عندما يموت)، وفي سورية تعود الاكتشافات الموسيقية  إلى القرن الثالث قبل الميلاد، إلى حضارة ماري حيث تم اكتشاف تمثال المغنية الكبيرة أورنينا، وعرفت ماري الآلات الموسيقية الوترية والإيقاعية والهوائية وأهمها القيثارة المصنوعة من خشب الصندل المغطى بالذهب، وهذه الآلات تُظهر رقي الموسيقا السورية وأسبقيتها وغناها.
 

الفئة: