قصـة العــدد .. الذين يصعدون سريعاً

العدد: 
9227
التاريخ: 
الأربعاء, 7 تشرين الثاني, 2018

من المجموعة القصصية للأطفال « ربيع كاذب» للكاتب عبد الله عبد اخترنا قصة هذا العدد:
في أحد الأيامِ ظهرتْ نبتةُ لبلابٍ في جوارِ شجرةِ نخيلٍ. وحالما صارتِ النبتةُ فوقَ الأرضِ خلعت عنها قشرةَ البذرةِ التي خرجت منها، ثم نفضتِ الترابَ عن نفسِها وتطلَّعتْ إلى الأعلى.  رأتْ شجرةَ النخيلِ. - وهي شجرةٌ ممشوقةٌ- فأعجبَها شكلُها وودَّت لو تصيرُ مثلَها، لكنَّ النبتةَ كانت ضعيفةً جداً فقالت لشجرةِ النخيلِ: ما اسمُك أيّتُها الشجرةُ؟ قالتِ الشجرةُ: أنا شجرةُ نخيلٍ. قالت نبتةُ اللبلابِ: أنتِ شجرةٌ ممشوقةٌ وعاليةٌ جداً. كم سنة مضت عليك حتّى صرتَ على مثلِ هذا الارتفاعِ؟ ابتسمت شجرةُ النخيل ابتسامةً هادئة وقالت: عشرون سنةً، وربما ثلاثون، شهقت نبتةُ اللبلابِ وقالت: هذا زمنٌ طويلٌ جداً، بودِّي أن أصيرَ مثلَك. قالت شجرةُ النخيلِ بحكمة: ابني نفسَك جيداً. وارتفعي على مهْلٍ إذا شئتِ أن تصيري مثلي. قالت نبتةُ اللبلاب: لكنني في عجَلَةٍ من أمري. ولا صبْرَ لي على الانتظار . قالت شجرةُ النخيلِ الحكيمةُ: أخشى أن تندمي يوماً إذا استعجلْتِ حيثُ لا تُجْدي العجَلَةُ. ظنّت نبتةُ اللبلابِ أن شجرةَ النخيل تخشى أن تصيرَ اللبلابةُ عاليةً ممشوقة مثلَها، فقالت: اطمئنّي من هذه الناحية، أريدُ منك أن تُسْدي لي خدمةً صغيرةً فقط. قالت شجرة النخيل: ما هي الخدمةُ التي تطلبينها؟ قالت نبتةُ اللبلاب: إنني ضعيفةٌ كما ترين. ولم يمضِ وقتٌ طويلٌ على ولادتي. فاسمحي لي أن أستندَ إليك حتّى يقوى عودي. قالت شجرةُ النخيل: هذا جذعي فاستندي إليه. ومدَّتْ نبتةُ اللبلاب عروقَها واستندت إلى جذعِ النخلة. جرى هذا الحديثُ بين اللبلابةِ والنخلةِ في فصلِ الربيع. ومضت بعد ذلك ثلاثةُ فصولٍ على ما دار بينهما. مضى الربيعُ وأعقبَه الصيفُ ثُمَّ الخريفُ. وكانتِ اللبلابةُ في أثناءِ ذلك لا تفتأُ تتطاولُ بجذعِها وأوراقِها ثم تتطلَّعُ إلى أعلى فترى شجرةَ النخيلِ عاليةً شامخةً مرتفعةً في السماء، فتأكلُ الغيرةُ قلبَها «لا بدَّ أن أصيرَ مثلَها». وتواصلُ نموَّها السريعَ الطائشَ حتّى أقبل فصلُ الشتاء، وكانتِ اللبلابةُ قد صارت في مثلِ ارتفاعِ شجرةِ النخيل. فقالت اللبلابةُ: ها أنا قد صرتُ مثلَك تماماً. قالت النخلةُ ساخرةً: سنرى إذا كنتِ قد صرتِ مثلي حقاً.  وذاتَ يومٍ هبَّتْ عاصفةٌ هوجاءُ، فمرت في طريقِها على النخلةِ واللبلابة التي تستندُ إليها. لم تتأثرِ النخلةُ بالعاصفةِ القويّةِ بل ظلّت صامدةً شامخةً عالية. أمّا نبتةُ اللبلابِ فقد أخذت تهتزُّ وترتعشُ تحت ضرْباتِ العاصفةِ المتلاحقةِ فخافت كثيراً وقالت لشجرةِ النخيل: ما هذا؟ قالت النخلةُ: عاصفةٌ. قالت اللبلابة : امسكي بي. أكاد أسقط! قالت النخلة : في العاصفة لا تُمسِكُ شجرةٌ غيرَها. كلُّ واحدةٍ تواجهُ العاصفةَ بمفردِها، واشتدَّتِ العاصفةُ فحاولتِ اللبلابةُ جاهدةً أن تظلَّ واقفةً، صامدة، لكنَّ جذعَها كان رفيعاً وأغصانَها ضعيفةٌ فلم تستطعِ الثباتَ في وجهِ العاصفة، ولم تلبثْ أن تهاوتْ على الأرض، عندما هدأتِ العاصفةُ نظرتِ اللبلابةُ من مكانها على الأرض إلى الأعلى فرأتِ النخلةَ لا تزالُ ممشوقةً عاليةً شامخةً في السماء.ابتسمتِ النخلةُ الصامدةُ ابتسامةً متواضعة وقالت: حين نصَحتُك لم تُصغي إلى النصيحة، هذا هو حالُ الذين يصعدون سريعاً، فإنهم يسقطون سريعاً.

الفئة: