بين الشط والجبل ... تجري الرياح

العدد: 
9227
التاريخ: 
الأربعاء, 7 تشرين الثاني, 2018
الكاتب: 
سيف الدين راعي

-1-
لحى الله أيّامنا . . خفضت سيّدها، وأعلت وضيعها . . نهشت كريمها، وأتخمت دنيئها . . صدّقت كاذبها وكذّبت صادقها . . ودارت كيف شاءت عهراً . . نفاقاً ورياءً . . تدور بك فتلقيك يمينها، وتشلحك شمالها . . وأنت الواقف وسطها تدور دورانها . . تجحظ عيناك . . تتدلّى شفتاك وتتلاشى خطواتك . . ثم بعد كل هذا يعتب عليك محبّوك ويسألونك عن سرّ العودة إلى الماضي الجميل رغم فقره، وقلّة زاده.
-2-
أحبّ العودة إلى زمن مضى كنتُ فيه ذاك البطر يمرح في الزواريب الموحلة، ويتدثر بالغبار . . يمضي عبر الحواكير . . يقطف زنبقةً من هنا وسوسنةً من هناك . .
 حملت أصوات من أحببتهم في أوردتي، وسامرتهم صيفي وتدّفأت وإياهم شتائي وكانوا رياحين زاهيةً . . وملاذاً آمنا . . كانوا وكنتُ معهم أهل محبة ووفاء.
-3-
 أعود إلى ما مضى وأستحضر صورتك التي أحببتها . . أوقفتها قدامي وقلت لها:
 بي عطش الرمال فعلام توصدين الباب من دوني؟ أنا من أبدعتك في شعري وقلت قصائد عشقي فيك فعلام توصدين الباب دوني؟!
 مذ غبت . . بل مذ غُيّبْتِ عنّي كأنّما وتّدْتُ إلى صخرة ناتئة.
 أغلقوا فمي بصدأ الكلمات . . وأغلقت بوجهي كلّ بّوابات العبور ونفيت إلى زنزانة معتمة . . غمّست رغيفي بالقهر، وشربتُ كأس الفقر وصلبت على عيدان الهجر . .
أعود إلى ما مضى . . فأرى ذاك الصغير الذي كنته . . وكيف كان يلهو على كل البيادر يرافق الطير في صحوته ويساهر البدر حتى غفوته . . وكانت خطواتي أبداً تعزف لحنها على درجات بيتك الخشبي.
نهاراتي كانت سلالاً من رياحين وزنابق . . وليالي كانت أراجيح من سهر وسمرٍ وأراني أرذدّ: يا ليت ما كبرت . . يا ليتني بقيت ذاك الطفل يرمي بالحبق والزعفران وهو يتأبط كتبه رائحاً وغادياً من وإلى المدرسة.
أقول: يا ليتني . . ولكن . .
«تجري الرياح بما لا تشتهي السفن»