كم كيلو لحـم تأكل العائلة في الشهر ؟التســــعيرة لا تســـمن من جـــوع ولا تـــروي ظمــأ عيــش اللحـّامـــــين

العدد: 
9227
التاريخ: 
الأربعاء, 7 تشرين الثاني, 2018
الكاتب: 
هدى علي سلوم

أينما ذهبت ووجهت نظرك ترى الناس في عجقة وازدحام، وحتى هم طوابير على عتباتها، في الأسواق وأمام واجهات المحلات والأفران والحلويات، طوابير تفتقدها عند بائعي اللحوم الحمراء، وليس كمثلها عند بائعي معدن الذهب بالغرامات، فلا وميض وبريق أصفر ولا رنين نقد أو صك، دكاكينهم تعبق بالصمت وبعض ارتسامات أحذية دخلت الدكان، وهو المكان الوحيد  الذي تدخله بكل ارتياح وهدوء مرة كل شهر، ويمكن أن تسمع حينها فيروز ( زوروني كل سنة مرة حرام تنسوني) لتجد سكانه يطرقون أكواب الشاي المخمر على وهج الفرن الذي اشتعلت ناره لجذب الزبائن والضيوف وعابري السبيل، يرحبون ويهللون ويرمي عليك صاحبك بالكلام (ليش غلبت حالك يا جار, كنت حاكينا ع الهاتف ومنبعتلك طلبك على الفور) ويردفها بالسؤال كم كيلو تريد؟ تطرق يدك في جيبك المثقوب وترسلها إليه بورقة من الفئة الأكبر ألف بكل خجل وحياء، وتتمتم بالكلام يكفينا اليوم يا جار، فيرد بأعلى نغمة على الوتر الحساس(ناعمة، خشنة ورأس عصفور_شقف) (لا لا تكمل أطربتنا وأسكرتنا كلماتك) فتسرع بالجواب وهو قد اقتحم شفتيك (ناعمة، أكيد شو شوي، الله يسامحك) وتعود بخفي حنين إلى زوجتك والأولاد وكأنك جلبت الخروف بأكمله شحم ولحم وهبرة للزاد والوليمة (وليمة لا طبخة فقط تسند رمق هذا الجسد ولا تزهق روح الراتب العاجز المسكين) وتسمعهم نشيد كل يوم، آه آه ..الله يرحم أيام زمان كان الوالد يحمل الشقف والكباب والهبرة والعصاعيص  بكل بساطة وارتياح، وحتى أنه يبعثها مع صبي الدكان ببعض ليرات، الرحمة لزمان جميل ناضح بهبرته وأهله ولكم طول العمر والبقاء في قيود العدم والإفلاس.

 

عند دخولنا لأحد دكاكين اللحامين في الرمل الشمالي كان أحد الزبائن يهم بالخروج والفرحة تعتمر وجهه وكأنّه خاض جولة فيها انتصاره، لكنه لم يفلت من سؤالنا: كم كيلو من اللحم تشتري لعائلتك  في الشهر؟ تتغير ملامحه ويرد بامتعاض وعيونه تشرئب بملامح غضب تقرأ فيها جواباً وملاماً (ويحكم من هذا السؤال) ويرسم ابتسامة صفراء تؤطر الجواب ما هذا السؤال؟ أعجز عن الرد بلا كفيل، حسب ما تريد (المدام) بيدها أمور البيت والطبخ ولكن لا يمكنها أن تستعلي علي الراتب ولو كان كمثلي ضعيف، وتطلب زيادة وإن كانت تستعلي علي، فهي الأدرى بالقائم والمقدور وليس في طرفها حاجة للدين والتعتير، إذ لا مال ولا ورثة تنتظرها غير راتبي أول الشهر، وعندي ثلاثة من الأطفال، فماذا يمكنني أن أشتري ببعض أوراق الآلاف التي لا تتجاوز الأربعين ألفاً ونسكن بإيجار قديم، غرفة وصالون مع نصف كيلو لحمة  وهو بالكثير ولا تذكري الاسم،  فأنا بائس يائس و(عايش ما أحلاني) والحمد لله.
أبو شفيق اللحام ولكنه ليس صاحب المطعم والدكان أشار إلى تحسن وانتعاش بحركة بيع اللحوم في دكانه منذ بضع شهور، بعد أن عانوا كثيراً من الركود والخمول بسبب نقص العجول وارتفاع أسعار اللحوم، فهو اليوم لديه مزرعة للعجول على طريق بوقا ولولا أنه لا يشتري التبن في موسم الحصاد ب150ليرة لعانى الأمرين من غلاء سعره والأعلاف وتوقفت مصلحته ولا يكون في الأسواق، فقد يصبح سعره ضعفاً والتبن أغلى من العلف، يأخذه  لبيت التبن الذي بحوزته ويتسع لقاطرة وشحن، كما يشتري الأعلاف من مؤسسة الأعلاف أو مراكز بيعها في الأسواق وليس من الوحدات الإرشادية فليس لهم أجر.
وقال: وضع الناس ليس واحداً في هذا الشارع والحي فمنهم المدير وغيره الموظف كما يوجد التجار وأصحاب المهن والمحال أي أنهم بارتياح (يمكننا أن نقول) ومن لاقيته عند الدخول هو موظف على قد الحال (الله يعينو) يأتي كل أول شهر ويأخذ حوالي نصف كيلو مفرومة على الماكينة، ونادراً ما يأخذ الكباب، أبعثها له في الأضاحي والأعياد، وبالمقابل  بعضهم يهاتفني لأرسل طلبه شقفاً أو كباباً مع الصبي بلا حرج وكله زهو وانبساط، ويعيش من هذا المطعم ست عائلات وتابع:أنا موظف وعامل كغيري من العاملين، أشتري اللحم على دفعات وحسب لزوم الطبخة، فإن كانت تحتاج لنصف كيلو أقضيها بالوقية ونصف، فيمكن أن أشتري كيلو ونصف واثنين  في الشهر، تنهش من الراتب ربعه، أحاول أن يكون المدخل بما يساوي المخرج، ليتسايرا بخط مواز يساير الحال ويتناسب طرداً مع الراتب والدخل، فجميعنا نعاني من ضيق العيش ونحاول إيجاد الأعمال التي ترفع عنا هموم الحياة وتيسر أمرنا، ولدي من الأولاد خمسة ولا أحرمهم من شيء، ثلاثة منهم متزوجين وما بقي بنات صغيرات لا يحبون اللحم بل يرغبون دائماً بالفروج، فجسمهن قد (ترهمن ) بفيروس الفروج، وإن كنت أرغبه أنا فمن الضروري أن يكون فروج بلدي تربى على الأعلاف الطبيعية وسط البيادر والحقول.
ثلاث صبايا دخلن المكان عند جلبتنا بالحديث، جلسن على طاولة في الداخل وطلبن الصفيحة وفي انهامكهن بالأكل وشرب اللبن العيران بعض أحاديث، وقبل طلب الحساب كنا أمامهن للسؤال:
أنتن موظفات أم طالبات جامعيات، فردت إحداهن نحن موظفات من البريد والمصرف التجاري، وقالت: أنا لا آكل من مطعم غير من عند أبو شفيق، فهو رجل طيب ومذوق وكريم، كما أن المكان نظيف وهادئ ولا يوجد فيه مشروب للسكر والأراكيل، الجو فيه لطيف يصلح للفتيات بكل امتياز، وقد تعودنا أن نأتي إليه كل أول شهر لتناول صفيحته الشهية، وأأتي بعض الأحيان مع زوجي وطفلي، وهل تقدرين على ذلك وأنت موظفة؟ ضحكت وقالت:  من المؤكد أني لا أعتمد على راتبي الذي لا يتجاوز 32ألف ليرة، فلدى زوجي رزق وحلال، اللحمة غالية والصفيحة بخمسة آلاف ليرة، ولولا المورد الآخر كان من المستحيل علي أن أدخل دكان أبو شفيق، لدي ولد صغير ولا أخذ أكثر من مرتين في كل منها نصف كيلو، وطفلي لا يأكل منها شيئاً.
وتوافقها القول صديقتها وتزيد: لا يمكننا أن نأكل اللحم كل يوم، فالأولاد الصغار لا يحبونه والبنات يعجبهن لحم الفروج الأبيض والأكلات الغربية، ونحن النساء نخاف من السمنة، لكن فوق كل ذلك راتبنا لا يكفي لنقتسم فيه غير جزء يسير  لأجل اللحمة، فزوجي يحبها أكثر من الدجاج كما غيره من الرجال والشبان،  لكن يمكن أن نتجاوز المصروف المحسوب بالسنتيمتر والكيلوات عند العزائم والمناسبات التي تزيدنا إرهاقاً فنكون خجلين مقصرين، تضطرنا في أكثر الأحيان لكسر جدار الأمان والعيش في غل الدين والتقسيط، وتكون أيدينا مكفوفة ومغلولة لبقية الشهر وحتى لأشهر ليس فيها جمعية أو قرض.
وفي الأرياف هل يختلف الوضع عن المدينة؟
السيد يعقوب أشار إلى الركود والخمول الذي تعانيه أسواق اللحوم، فقد كان يذبح العجل السمين كل يومين أما في هذه الآونة فيكون الأمر كل أسبوع ويتشارك فيه مع لحام آخر في الجوار، ويشتريه من السوق الذي ليس فيه غلبة للتجار، يشتري الكيلو الحي ب4500ليرة ليبيعها 4800ليرة وهو الذي لديه من العمال اثنين للفرن وتوصيل الطلبات، تقتات منها عائلتان برغيف عيش وفتات،  وأكد أن محله لم يكن ليشتغل وتتحرك أطرافه لولا العمل بالصفيحة والفطائر والكباب، وقليلاً ما يأتي الطلب على اللحم النيئ.
وكان عند دخولنا شاب في الأربعين يأخذ بخمسمائة ليرة لحمة ناعمة لأجل المحشي كما ذكر أمامنا، ولم تكن لنراها بالعين المجردة لولا لمت ووضعت بكيس أسود من النايلون, وكان أن تسلل من بيننا دون ذكر ونفذ بجلده ولحمه من السؤال.
وهنا لم يكن لنفوت علينا متعة التمعن بنظرنا في لائحة الأسعار من رئيس شعبة حماية المستهلك  لولا أنها وضعت بصدر المكان، لتشد بصرنا وتدفعنا للنطق بها بصوت عال دون حكم: لحم عجل 25% دهن ب3500ليرة، لحم أحمر معرق أو شرحات ب4000ليرة، لحم عجل شقف أو كباب مشوي جاهز للأكل مع دهن 4500ليرة، صفيحة جاهزة للأكل 4500ليرة، أيعقل هذه التسعيرة في هذه الأيام؟ نعم نرد،  فتاريخ رسم عليها كما الشكل التالي: 28/2018، لكن الشهر مبهم وغير مقروء.
جميع اللحامين ودون  استثناء لأحدهم، ولو لم يكن مسجلاً في جمعية اللحامين طالبوا في مؤتمراتهم السنوية بمطلب واحد فقط ولا ثاني له وضع تسعيرة مناسبة للحوم، صحيح أنها لا تناسب سقف راتب موظف منكوب طرداً غير طرد لنفسه من عند اللحامين، كما أنها لا تناسب تسعيرة التموين وظلم التجار،  فماذا كان في جعبة رئيس جمعية اللحامين للطرفين؟ أشار بداية إلى أن الجمعية تقدم خدمات جمة للحرفيين من الحامين، وتعالج مشاكلهم مع الصحة والتموين، بالإضافة إلى متابعة الأسعار والحفاظ على جودة الأذواق المحلية, وهو ما نعرفه ونسمع به على الدوام والتكرار، لكن كم من لحامي محافظة اللاذقية وأريافها مسجلين في الجمعية ؟ رد وقال: 157عضواً، وكلي اندهاش أرد: فقط.. قليل جداً .. أيكون العدد لمدينة اللاذقية فقط؟ لا..157 من اللاذقية وجبلة والقرداحة والحفة وأريافهم جميعها، لقد كانوا قبل عامين أو أكثر حوالي 300 عضواً، عندها كانوا مستفيدين من المؤسسة العامة للحوم، لكنها اليوم خارج إطار العمل عليه تسرب نصفهم وليس قليلاً وتركوا الجمعية، كما أن المؤتمر السنوي  جاء على منعهم  ذبح الأضاحي في محلاتهم، لكن ذلك لم يكن ليمنع في المحافظات الأخرى وهنا قمنا ببعث كتبنا مع التعهد بالنظافة وعدم إخراج أي ذبيحة خارج المحلات المرخصة أصولاً إلى الاتحاد العام للحرفيين  إلا أنها قوبلت جميعاً بالرفض، لنذبح في المسلخ البلدي وهو بدائي جداً  تنقصه الآليات الحديثة كما في باقي محافظات القطر لكن نقول: (الرمد أحسن من العمى)   وتابع: لحم العواس السوري مميز ونوعي ومشهور عالمياً، كيلو الذبيحة 4500ليرة تباع ب5000ليرة, الصفيحة على لائحة الأسعار 5000ليرة لكنها تكلف ما يفوق 6000ليرة، إذ أن كيس الطحين 1200ليرة، وتحتاج للبصل والبقدونس لأبيعها لا يكفيني 6500ليرة وتسعيرتها بالتموين 5000 هذا بالإضافة لأجور النقل والكهرباء وغيرها من الخدمات.
لدي ست أولاد بينهم من لديه عائلة وأولاد، جميعهم تعلموا المهنة ويعتاشون رزقها، والتيسير على الله والحمد له كثيراً.
كانت الأطباق السورية عامرة باللحوم الحمراء، إلا أنها بدأت بالغياب واستفقدتها معظم الموائد والطاولات بحلول الطعمات الغربية في الفروج واكتساحه الأسواق، لكن مهما ابتعدت وتمزقت أوصالها لا يمكن الاستغناء عنها نهائياً وتبقى بعض الذكريات وأغلبها في الأضاحي والمناسبات والأعياد، ولكن لسنا نادمين أو آسفين على ذلك بعد أن توضح لنا ضررها وكانت أن أكدته دراسات عديدة ومنها حديثة أن كثرة تناولها يعتبر سبباً رئيساً لأمراض القلب والسرطان والسكتة الدماغية، لكن من الضروري أن تشكل اللحوم الحمراء 20% من نظامنا الغذائي الذي يجب أن يتضمن البروتينات  وهي من مكونات اللحوم، والفيتامين ب12 لا يمكن أن نجده غير فيها ونقصه يؤدي لفقر دم شديد والزنك يؤدي نقصه لضعف في جهاز المناعة، وتؤكد الدراسات خطر الوفاة بنسبة 13% عند الإفراط بتناول اللحوم وترتفع إلى 20% عند استهلاك اللحوم المصنعة، كما ترتفع الإصابة بالسكتة الدماغية عند النساء بنسبة 42%، ومن الأفضل عدم تناوله كوجبة منفردة، وللحد من ضرره والاستفادة من ميزاته من الضروري إزالة الدهون الظاهرة فيه قبل تحضيره، والابتعاد عن اللحوم المصنعة, والأفضل تناول لحم البقر بدلاً من لحم الغنم، كما من الضروري الانتباه لطريقة شي اللحم وسلقه على ألا يحرق أو يقلى لتجنب أخطاره، ومن جهة أخرى تمتاز اللحوم أيضاً بغناها بالحمض الأميني التريبتوفان الذي يساهم في تحسين المزاج والشعور بالراحة والرضا.
 

 

الفئة: