حكايـة جريح ..البطل نصر ياسر قاسم: للرجـــولة عنـوان واحد.. الجيش العربي السوري

العدد: 
9226
التاريخ: 
الثلاثاء, 6 تشرين الثاني, 2018
الكاتب: 
سناء ديب

في البدء كان السوري الذي اخترع الأبجدية، وأسس للحضارات، والآن كان السوري الذي علّم العالم معنى الشرف والرجولة والبطولات، الآن.. ها هو السوري الذي سكب أحلامه على ميادين الوطن مؤكداً أن الحلم هو أول الطريق إلى الحقيقة.
السوري الحقيقي لم يتوقف عندما توقفت عجلة الحياة في هذه الحرب الشعواء القتال، وما نسرده اليوم قصة أحد البيوت السورية التي قدّمت فوق ما يتصوره الخيال ومازالت تقدم، وقصة شاب سوري كُبَر قبل أوانه والتحق بمواسم العطاء، بينما أترابه كانوا ما يزالون على قيد مقاعد الدراسة والطفولة واللعب، إنه الشاب البطل نصر ياسر قاسم من قرية كلماخو من مواليد 1997
قال نصر: كنا عائلة جميلة تنبض بالحب والعطاء مؤلفة من ثلاثة أخوة وأخت وحيدة، وأبي الموظف في الشركة العامة للغزل والنسيج في دمشق، ووالدتي الحنونة التي علّمتنا معنى الحب مع كل شهيق نتنفسه، وكنا نسكن في حي القابون في دمشق حينما شُنت علينا هذه الحرب اللعينة التي فرّقت ومزقت قلوبنا وأجسادنا بفقدان من نحب.


كنت وأخي أمين الذي نجح في الثانوية العامة ويستعد إلى دخول الكلية الحربية في ذاك اليوم المشؤوم إلى جانب والدنا حيث كان في اللجان الشعبية التي تشكلت في ذلك الوقت لحماية الحارة من دخول المسلحين إليها، وكنت حينها في الصف التاسع حينما هجم المسلحون وهم يرتدون بدلات الجيش العربي السوري، وخدعنا بهم ولكن ما أن سألوا بعض الأسئلة حتى أومأ والدي إلينا أنا وأخي أن نختبئ ونبتعد عنه، وما أن رأوا المشهد حتى بدؤوا بإطلاق الرصاص، وأصيب أبي في ساقيه وأخذوه محملاً إلى السيارة التي جاؤوا فيها، وحينها خرج إليهم أخي أمين متوسلاً أن يأخذوه ويتركوا أبي المصاب ولكنهم أخذوه دون أن يتركوا أبي وكان ذلك في 28/9/2012 وهذا يوم لا أنساه ما حييت.
وبعد فترة بسيطة أعادوا الهجوم على الحيّ، حينها كانت أمي وأخي الصغير معها تراجع الطبيب وأختي لوحدها في البيت فاتصلت بأمي كيلا تعود إلى البيت فقد امتلأت البيوت بالمسلحين، ووعدتها بأني سأخرج أختي بأي طريقة، وفعلاً تسللت مساءً من منزل الجيران وكان المسلحون قد فتحوا معظم المنازل على بعضها لسهولة حركتهم وأخرجت أختي واختبأنا في أحد البيوت التي فتشوها سابقاً، وعندما حانت اللحظة المناسبة وابتعد المسلحون إلى داخل الحي خرجنا وتركنا كل شيء خلفنا. . بيتنا وكتبنا وذكرياتنا وكل ماضينا... وعدنا إلى القرية التي لا نملك فيها شيئاً، لنسكن في جزء صغير من بيت جدي والد أبي ولصعوبة الظروف وقساوتها تركت تعليمي وبدأت أعمل في العديد من الأشياء لأقدم المصروف لأمي ولتتابع أختي دراستها في مدرسة التمريض ولا أدعهم يحتاجون أحداً، ومن ثم قدّمت طلب استعجال ليقبلوني في الجيش العربي السوري كون عمري مازال صغيراً، طبعاً خلال هذه الفترة تواصلنا كثيراً مع من يعملون في المصالحات الوطنية للاطمئنان على وضع والدي وأخي، وأخبرنا البعض إنهم في سجن التوبة، وبقي الأمل وقّاداً بأنهم سيعودون يوماً ما، جاءت الموافقة على طلبي وتطوعت في الشهر الثالث من العام 2015 وكانت أغلب خدمتي في ريف اللاذقية الشمالي، وفي أحد المهمّات التي كنا تقوم بها في جبل القلعة أصبت بقذيفة أثناء هجوم المسلحين بُترت ساقي اليمين مباشرة، وتمّ إسعافي خلالها إلى المشفى العسكري في اللاذقية، وكانت إصابتي في 4/10/2015 بقيت في المشفى حوالي الشهر ومن ثم عدت إليها بعد فترة لأجري عملية بتر ثانية بسبب وجود الإنتان والالتهاب، وكل علاجي كان على حساب المشفى، وبعدها تمّ تركيب طرف صناعي لي في مشفى حاميش، خلال هذه الفترة أيضاً استشهد  عمي (فادي أمين قاسم) في محافظة درعا وهو الذي كان يقويني في لحظات ضعفي ويساعدني عندما أحتاج إليه، ويقف إلى جانبي في الحياة وكأنه أبي، وباستشهاده شعرت أني فقدت أبي مرتين.
ويتابع نصر قائلاً: ظروف الحياة قاسية، ونحن لن نقبل بالهزيمة والاستسلام ولن نخضع لها أبداً، ولذلك أتدرب كثيراً على السير بهذا الطرف وحالياً تعاقدت بعقد مدني مع الجيش الذي أنتمي إليه وحالياً أخدم على أحد الحواجز، وأمّي تعلّمت مهنة الخياطة وهي تعمل على ماكينتها البسيطة ما يُطلب منها ضمن القرية من تصليحات وخياطة ملابس، لأننا فقدنا كل أناث منزلنا وكل حاجاتنا في القابون بعد هجوم المسلحين عليه والذين قاموا بسرقة كل ما فيه ومن ثم دمروه.
قال نصر الكثير الكثير من الكلمات  الجميلة التي تليق بوطن المجد مؤكداً  على صغر سنه ورجاحة عقله على اقتران القول بالفعل وعلى تقديم المزيد من التضحيات في سبيل نصر سورية.
أما والدته الخالة أم أمين فما زالت تملك الأمل بعودة زوجها وابنها سالمين وهي تدعو بشكل دائم للشهداء بالرحمة وللجرحى بالشفاء التام والسورية بالنصر المبين متمنية من الجميع تجاوز هذه المحنة الصعبة التي نمر بها جميعاً بالصبر والعمل الدؤوب لإعادة الوطن مزدهراً كما كان.
وفي الختام تقول: كم هي مؤلمة قصص هذه البيوت السورية المتلاصقة وكم هي جبّارة شخصيات هذه القصص، تلك التي صنعت من الضعف قوة متحدية كل قساوة الكون وجشعه واثقة بالنصر الأكيد، وكم نحن بحاجة لقوة وشجاعة البطل نصر، ولطيبة وأخلاق ومسامحة والدته والتي تتمنى لو كان بإمكانها خياطة جروح السوريين جميعهم وبلسمة قلوبهم للبدء من جديد بحياة خالية من أي حقد أو كره أو وجع.