قريتي

العدد: 
9226
التاريخ: 
الثلاثاء, 6 تشرين الثاني, 2018
الكاتب: 
بسام نوفل هيفا

قريتي ولدت كجاراتها من رحم الأرض بوئام مع الزيتون وغرسه في حضن الشمس منذ آلاف السنين.. غنّت الحياة شامخة وتفتحت على رابية غير بعيدة عن مياه البحر تعانق بيوتها زرقة السماء... بسواعد أبنائها نمت وازدهرت وعلى بساط خضرتها حاكت نسيج فصولها... تغريد هزارها وهديل ترغلها مع ناي راعيها، خالي الذي غادرها منذ سنين، فانقطعت بذلك عنها أنغام (سمفونيتها) السحرية..
قريتي لوحة جميلة على صفحات دفتر الوطن، وجهها باسم مشرق ترحاباً وأنساً.. سلالها مليئة بخير كرومها مهللة على مفرق طريق، ورشقة عطر للزائرين... تنام وتستيقظ كسفينة يحوط بها بحر الزيتون الأخضر لا تخشى الغرق.. حين تصهل الريح غاضبة ومزمجرة، تتمهل عن المسير ماسحة عن عتباتها غشاوة النعاس كيدٍ حانية على جبين طفل... ثم تفرد جناحيها لرياح الخير المحملة بنعم السماء... قلبها مفتوح للحب وثغرها باسم، نوافذها مشرَّعة وبابها غير موصود، تضيء ظلمة الطريق لأبنائها وزائريها.
قبل عصر الكهرباء، على مصاطبها ليالي الصيف اكتست أحلى الحكايا وقصص وروايات. . وتنانيرها نوّرت عتمة ليالي كوانينها، وكان للسهر خبز وملح يخفق يدور فوق بيدر جلسات السمر، وزغردات مطعّمة بالأوف والعتابا والميجانا وعاللالا وأم الزلف والموليا، ودبكات كانت تعتلي تلك البيادر في مواسم الحصاد والقطاف والجنى.. وقد أصبح الآن كل ذاك في بحار الذاكرة وفضاء النسيان.
مع قدوم الربيع وضحكات الزهور وبسم الورود، وتطاير الفراش والنحل والعصافير وجدول ماء دوار (الشدّ) وساقيتي (دموزي) و(أرض الجورا) كل في مهرجان عيد الأرض والسماء يأخذ دوره في اللحن على نوتة الحياة.
أما الآن فقد تغيرت الظروف وأوضاع الناس وأدوات العمل، فتغيرت العلاقات الاجتماعية وتنوَّعت، ولكنَّ الزيتون وحده يبقى دائم الخضرة، طيب الهواء والملتقى معه لا يفسد اللقاء اختلاف الفصول.

 

الفئة: