من برومثيوس مروراً بالفينيق وإلى عالمنا اليوم. . ظلٌّ لحرائق مديدة «حرائق الظلّ» للشاعرة لينا شكور. . ظلالٌ تلتحف مع الروح في مداراتها المختلفة

العدد: 
9224
التاريخ: 
الأحد, 4 تشرين الثاني, 2018
الكاتب: 
سلمى حلوم

مع الشمس وشعاع نهاراتها، ضوء وظلال ودفء لا يتغيّر، لكننا نحن قد نحيل جلّهُ إلى حرائق للروح ولحكايانا السائرة على دروب الزمن. . هي البشرية التي ما زالت تعاند زرقة السماء وحاولت وما تزال، ليغدو لأحمر الحرائق سيف الطغيان. . مع هذا ما زلنا كالفينيق نفيق ونُبعَثُ من جديد بثوب أرواح جديدة تقص تفاصيل الرحلة، يصدر من نوافذها، أغانٍٍ جديدة، يختلف معها النغم والإيقاع لكننا نبقى نحن وخطانا من ننشده، بأصواتنا التي تعلو تارةً، وتهمس تارةً أخرى. .ليظل السؤال الذي يطرق أيامنا، أين ظلُّ حرائقنا؟؟
(حرائق الظلّ) فيه قدسية من شفافية اللقاء، وينبوع يعانق كل عطش حائر، يطفئ به ربما عديداً من حرائقنا، ويمسح ظلالاً مديدة لمهادنة واستكانة مأمولة دوماً .

(حرائق الظلّ) ديوان شعري للشاعرة لينا شكور، هو الأول في إطلالته على نافذة الأدب، يفوح منه شذىً يعيد الذاكرة الأولى وربما الأخيرة وما مرَّ بينهما في كلمات تصطف، تعبق بالحب، تضمد بعض الأسئلة الموجعة، هو ديوان يظلل مساحات تمتد وتمتد إلى باحة من حياة، تضم أوقاته ال140 على صفحة من أعمارنا البيضاء، وشماً من الصعب أن يمحوه طارئ، وضمن عناوينه المزركشة تتنوع الحكاية لتشدو بعضاً من : (نهر يرتدُّ إلى طفولة الغيم - في مرآتك - على بابي يتكئ الصباح - مشاجب الحرب - أشلاء - رقص على الزلازل - نصف قرن من الحنين، معابر الرؤيا - خدر - صلصال كأنه بروق المهود - عصيان - امرأة زرقاء - سيلفي مع شهرزاد - فينيق الضوء - بلا عنوان - قاب موتين أو أكثر - شجرة الأسئلة - ألم ناسك - رماد الأسئلة الموجعة - حكمة الخريف - بذور وجذور - سمكة خرقاء - حديث الماء).
(حرائق الظلّ) صادر عن دار العوام للنشر في دمشق، ولوحة غلافه للفنان جبران هداية، يقدم لهذا الديوان الكاتب والناقد محمد علوط من المغرب  الذي يقول في مقدمته: «الأفق الجمالي والسؤال الأنطولوجي في (حرائق الظل) للشاعرة لينا شكور لم تأت الشاعرة لينا شكور إلى (القصيدة) من القواعد والمواصفات التعريفية للشعر، ولا من تلك النزعة المدرسية التي تجعل الكتابة الشعرية مجرد (تمارين إنشائية) في تقليد ومحاكاة منظومات شعرية سابقة وجاهزة يميز النقد الأدبي الحديث ما بين تيارين في الكتابة الشعرية: الأول يصطلح عليه باسم (شعرية المفهوم) وهو تقليد صرف لأنه يكتب القصيدة انطلاقاً من معيار ENORM جاهز، موجود بشكل مسبق في (أفق انتظار القارئ)، شعر مكتوب لإرضاء الذائقة الشعرية السائدة لدى الجمهور،والثاني الذي يصطلح على تسميته (الشعرية التجريدية)، وهو متمرد على المعيارية والتقاليد، يتأسس على المغايرة والاختلاف، مثلما يتأسس على أفق جمالي يجعل من القصيدة مغامرة في الكتابة الشعرية أساس تكوينها وبنائها وشكل خصوصيتها وفرادتها، كامن في النظر إلى الشعر كسؤال انطولوجي لتجربة الكينونة.، وهي تجربة استطيقية ووجودية تسعى باحثة عن نوع من التطابق الأسطوري بين (الشكل الشعري) و (الكينونة الشعرية) المتكلمة في النص. هذا التصور النقدي هو المفتاح الجوهري لفهم دلالات اختيار الشاعرة (حرائق الظل) كعنوان لديوانها. فمن داخل سيمياء الطباق (أو التضاد والتعارض) بين رمزية النار(النور) ورمزية الظل (الرماد) نستطيع قراءة مجمل قصائد الديوان بوصفها تجسيداً رمزياً لوضع الكتابة الشعرية والكينونة الشاعرة في قلب الاستعارة الكونية وصراع الحياة والموت بكل حمولاتهما الثقافية والفلسفية والأسطورية في الأزمنة الرمادية التي تجعل الراهن العربي على مستوى الذات والواقع وضعاً على مشارف الهاويات السحيقة. لا غرابة في أن نجد الشاعرة لينا شكور تنحت من حطام اللغة والوجدان (متخيلاً شعرياً قيامياً) متخيلاً (آبوكاليبتياً) يضع الحاضر والتاريخ في تماس مطلق مع ما هو جنائزي وفجائعي منذور لانطفاء الكينونة الجوهرية التي تفقد وهجها ليتسيد الظل كوجود زائف، كوهم وخديعة، كحقيقة تنكر ذاتها، فتحل الظلال التي تجعل الذات والواقع يفقدان الوجه والصوت، ويتناسخان في الأقنعة الشاحبة، والهويات الزائفة، تلك التي تتجسد من خلالها الكينونة كوجود متشظ كأنه ينعكس في وعي شبيه بالمرايا المحطمة. لذلك، فان جلّ قصائد الفصول الخمسة من الديوان تترحل من لغة مشهدية (شاهدة) على جنائزية الواقع إلى لغة تتخذ من التأمل الفلسفي الانطولوجي مرتقىً لإعادة تأسيس هذه الكينونة المتصدعة بانفصامات الذات والواقع، وعذابات الانتفاء والاغتراب ومكابدات العنف المؤسس للسلطة. السياقات الشعرية الضاربة الغور هي تحديداً تلك التي تلجأ فيها الشاعرة إلى استدعاء رمزيات المتخيل الأسطوري (هوميروس، بينيلوب، جلجامش، انكيدو، آدم، حواء، شهرزاد، ايزيس، ايزوريس. .... الخ) إلى جانب رمزيات الكوسموس الكوني (التراب، النار، الماء، الهواء) مؤسسة بذلك لخطاب شعري مناهض لسلطة العنف والموت كما في قصيدة (سيلفي مع شهرزاد)، أو دافعة بالمعنى الشعري نحو ما وراء رماد الحاضروالتاريخ لتتجسد رمزية ميلاد الكينونة المتجددة في بعد رؤيوي مدهش وآخاذ كما هو الحال في قصيدة (قمر أزرق). من المؤكد أن قصائد ديوان (حرائق الظل) تندرج جمالياً ضمن ارتدادات قصيدة النثر لكنها تحرص على المزاوجة بين أسلوبية غنائية مطرزة بالصور الشعرية الذهنية تجعل المعنى الشعري متشاكلاً بين ما هو(حسي) وما هو (تجريدي). والى جانب ذلك تدهشنا في هذه الكتابة الإبداعية التوأمات المتعددة في المشهد الشعري داخل القصيدة بين (الغنائية) و(السردية) في لغة موسومة بتلقٍ اندهاشي خالص. ومن المؤكد أيضاً أن العمل الشعري (حرائق الظل) للمبدعة لينا شكور يشكل إضافة قيمة إلى الإبداع الشعري النسائي (في سوريا وفي العالم العربي)، وذلك لنزوع أكثر من نصف قصائد الديوان للانشغال بسؤال (الجسد الأنثوي)، وخطابه المعبّر أو المقموع، وذهاب صوت الشاعرة لمساءلة تجليات القمع السلطوي في خطاب الذكورة والأنوثة، والقارئ حتماً يتنبه إلى هذا البعد الذي تناولته القصائد بلغة شفافة ورمزية بعيداً عن لغة الشعارات الخطابية المستهلكة. سعدت بقراءة ديوان (حرائق الظل) الذي كتبته الشاعرة شاهدة ومدينة لأزمنة الرماد، محملاً بالرمزية الأسطورية لــ (بروميثيوس) (سارق النار من الآلهة)، ورمزية إيكاروس الذي من لهب الاحتراق يصنع أسطورة الخلود، ورمزية الفينيق الذي ينبعث من رماده، وكأنّ الرماد برزخ لحياة ثانية «.


* ولأننا في شغفٍ دائم في البحث عن ظلال، كان لا بدّ لنا أن نستظلّ بفيء سريع في سؤال نجلو به بعض الملامح :
*متى يصير لوقع أيامنا فعل الشعر؟
** حين نعيش إنسانيتنا.
* كيف تغالب الصورة الحس الإنساني، وكيف تخط ذاتها عند أحد ما هو الشاعر؟
** الصورة كيان لفظي يخرق المألوف.وهي وسيلة لصياغة جديدة للحس الإنساني.
* يقال إن: «الشعر هو الفن المطلق للعقل»، ما هي فضاءات حريته، ومن هم أصحابه؟
** الشعر فضاءات مفتوحة على الاحتمالات حيث الرؤيا وسيلة للكشف واستغراق في عالم الذات.يفتح الشعر الأفق للبحث حيث العقل هو المحور، المبدع هو الذي يخلق عالما ًيتجاوز الواقع إلى ما وراءه.واقع آخر له خصوصيته.
* «حرائق الظل «الديوان الأول لك، ما هي مراحل اصطفاف حبره؟ وهل يحرق الظل نفسه أو ما يحيط؟
** يحرق الظل نفسه ليعود إلى النار..والنار لها دلالاتها في الأساطير السورية
* العنوان «حرائق الظل» لماذا اخترت هذا العنوان، وماذا تقولين فيه؟
** اخترت هذا العنوان لأن حرائق الروح تحدث في الظل.. حيث لا يراها أحد.
* الصورة الشعرية ولغتها عندك لغة جميلة، سلسة، مميزة، كيف يكون الشعر بصوره ولغته عند الشاعرة لينا شكور؟
** أتمنى أن أصبح شاعرة يوما ما..الإنسان بشكل عام خلاصة مجموعة من القراءات التي تؤثر لاحقاً على المنظومة اللغوية والفكرية.
* دراستك للغة الإنكليزية، والتعرف على لغات العالم الإنساني ماذا يضيف للشاعر؟
** المعرفة هي الغاية.هناك إبداعات عالمية من الضروري الاطلاع عليها مثل الكوميديا الإلهية لدانتي وأيضا مسرح العبث الذي أصبح حجر أساس في أدب الحداثة.
* المرأة الشاعرة، كيف تسطر مفرداتها، وكيف تصيغها؟
** أؤمن أني إنسان قبل أن أكون امرأة.تجربتي الأولى في القراءة في عمر مبكر كانت مع جبران واستمر تأثيره كفلسفة ولغة.
* كثرت الأقلام السورية في هذه المرحلة المؤلمة من عمر الوطن، وكثرت معها المنابر، ماذا يحاول الأدب السوري أن يقول عمومًا، والأديبة السورية خصوصا؟
* * تظهر الإنسانية في ذروتها بعد الحروب في التخلي عن ثقافة الدمار والتركيز على فكرة حقوق الإنسان الكونية.حدثت تبدلات جوهرية في المجتمع السوري بعد الحرب وظهرت في الشعر والرواية.
* ما هو القادم المأمول عند الشاعرة لينا شكور في المدى القريب والبعيد؟
** بالنسبة لي تبقى القراءة والبحث أول الاهتمامات.
في هذا العدد سنختار من الديوان قصيدة (أرفو جوارب السأم) للشاعرة آملين لها التوفيق، على أن يكون لنا حوار مطول قادم نستجلي معها ربما جلّ الحقائق.
 

الفئة: