عين ماء بسنادا.. هندسة المياه حاضرة قبل ألفي عام في سورية .... كبار السن من أبناء المنطقة الذاكرة الحية «للعين» ...تعزيل القناة الرئيسية عـرس يشـــــارك فيــــه الأهالـــــي

العدد: 
9223
التاريخ: 
الخميس, 1 تشرين الثاني, 2018
الكاتب: 
خديجة معلا - ت: حليم قاسم

تقع عين ماء بسنادا في حي بسنادا على بعد خمسة كيلو مترات شمال اللاذقية، على ارتفاع حوالي مئة متر عن سطح البحر، وسط حديقة عامة، موزعة مساكنها على هضبتين يفصل بينهما منخفض تتوسطه عين ماء شهيرة يتم الدخول إلى العين من الجهة الشمالية.
شيّدت هذه العين على عمق عدّة أمتار تحت سطح الأرض ندخل إليها بدرج نازل مؤلف من /18/ درجة، جزء منها حديث وهو عبارة عن /7/ درجات بنيت في فترة لاحقة، لنصل إلى حوض ماء نصف دائري مبني من الحجر النحيت القطع تتلقى العين مياهها من ينابيع تتجمع في قسم داخلي على شكل غرفة محفورة بالصخر نطل عليها من خلال نافذة مستطيلة أما السقف فهو على شكل نصف كرة من الطراز الروماني أضيف إليها لاحقاً بعض المعالم الإسلامية، وعلى بعد حوالي ستين متراً شمال العين يوجد خزان ماء تتجمع فيه مياه العين قبل أن تتوزع لتسقي البساتين المجاورة يتصل هذا بمرور إنسان بوضعية القرفصاء وهو مشيّد بالحجر النحيت.


المبنى عبارة عن نصف قبة تنتمي إلى الفترة الرومانية، أما أرضية العين فهي غير ظاهرة بسبب الردميات المتراكمة في القعر، يظهر فيها مجموعة أحجار وكأنها أرضية حجرية قديمة مرتبة من الجهة الجنوبية للعين، كما يظهر في الجهة الشمالية جزء صغير من سرداب أو مجرى مائي/قناة/ لتصريف المياه الزائدة إلى مسافة تبعد حوالي/100/ م إلى الشمال من العين.
وتحتوي من الجهة الجنوبية فتحة في أسفل الجدار بارتفاع مدماك واحد عن الأرض ارتفاعها حوالي/45/سم وعرضها حوالي/130/ سم، تؤدي إلى فتحة لم نتمكن من دخولها بسبب المياه، أما من الناحية الشرقية فقد ردمت العين بمقدار تلك المساحة من كامل العين، وهذه الردميات مغطاة من الأعلى بالبلاط الحديث.
والجدران مبنية من الحجر الرملي تحتوي على إفريز بارز على ارتفاع أربعة مداميك، حوالي /150/ سم على شكل نصف دائرة يعلوه إفريز آخر على ارتفاع مدماكين من سابقه ومتراجع قليلاً عنه، يحصر هذان المدماكان تجاويف ضمن الجدار موزعة بالتناوب وبشكل منظم بعرض نصف متر وارتفاع/80/ سم تقريباً، عددها سبعة تجاويف يفصل بينها قواطع حجرية بالارتفاع نفسه وعرض حوالي المتر.
يبدأ انسياب القبة من فوق الإفريز الثاني مباشرة وهي مؤلفة من /11/ مدماكاً، إضافة إلى القفل، تحتوي في الأسفل على تجويفين متناظرين بعمق/20/سم من الجهة الشرقية والغربية تماماً.
ارتفاع التجويف حوالي/80/ سم وعرضه /50/سم، تستند القبة من الجهة الشمالية إلى قوس حجري كامل وهو عبارة عن نصف دائرة تمثل العين تمتد حوالي /120/ سم بدءاً من مركز القبة باتجاه الشمال.
وقد وصفها أحد الرحالة الأجانب عند زيارته قرية بسنادا قائلاً: بالقرب من سكن أحد الرحالة الأجانب الذي أراد أن يقضي أواخر أيام حياته تحت سماء سورية الجميلة ( توجد عين ماء متميزة بنقائها وطيب مائها تنبع من مغارة محفورة في الصخر).
وقد ذكر هذه العين رحالة ثان قائلاً:
(الماء كان شحيحاً والمواطنون مجبرون على شرب مياه الآبار والينابيع البعيدة وكانت عين ماء بسنادا أفضلها).
كما أكد الباحث جبرائيل سعادة في دراساته أن سكان اللاذقية كانوا يستفيدون من هذه العين في الماضي، وكذلك فقد استمر أهل القرية في الحصول على مياهها منذ مئات السنين وحتى فترة قريبة.
ونستطيع القول: تقدم هذه العين أفكاراً هامة عن تطور هندسة المياه في سورية قبل حوالي ألفي عام خلت.
وقالت المهندسة سحر عيسى المنسقة العامة لبرنامج undp: ضمن مشروع «ومضات شبابية» الذي تمّ تنفيذه بتمويل من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي /UNDP/: تمّ تشكيل مجموعات شبابية ضمن محافظة اللاذقية بهدف تدريبهم على اقتراح مبادرات تخدم مجتمعهم.
ومن المبادرات المقترحة مبادرة «نبع الضيعة» من قبل الشباب، حيث تمّت صياغتها بالشكل النهائي بالتعاون بين كادر المشروع والمتدربين ومتطوعين وجهات حكومية ( مديرية الآثار- مجلس مدينة اللاذقية- المحافظة) لتكون قابلة للتنفيذ بالتعاون مع الشركاء والمجتمع المحلي، وتمّ تنفيذ المبادرة بتعاون الشباب المشارك والمتطوع من المنطقة ( بسنادا).
تتلخص المبادرة بتنظيف وتأهيل البئر ونبع الماء الموجودة في منطقة بسنادا والذي يعود تاريخه إلى العهد الروماني والبيزنطي ولاتزال تتدفق مياهه منذ ثلاثة آلاف سنة في نفس المكان وبنفس الغزارة والنقاوة، إضافة لتوثيق تاريخ البئر وعرضه على لوحة تعريفية في المكان لتعريف الناس والزوار بأهميته التاريخية والصحية في توفير مياه الشرب لأبناء المنطقة.


وأضافت: ستتم الإضاءة على أهمية المشاركة في مثل هذه النشاطات المجتمعية المتعلقة بالإرث الحضاري للمنطقة من جهة وفائدة نبع الماء من جهة ثانية، وارتباطه بذاكرة السكان ونقلاً عنهم « يعتبر يوم تعزيل النبع في الضيعة بمثابة عرس يحتفل به أهل المنطقة ويمارسون طقوساً مختلفة من الترفيه والمرح»، وإعادة إحياء هذا التراث بمشاركة الأهالي يعزز انتماءهم للمكان وارتباطهم به والحفاظ عليه بالإضافة إلى حالة التعاون والتشاركية في عمل وطقس يجمعهم كل عام ويعتادون على انتظاره جميعاً  
وقد تم التنفيذ عبر:
- خلق فرق عمل تعمل جنباً إلى جنب مع أهالي منطقة بسنادا- التي يعني اسمها بالسريانية «بيت السند» أي «بيت القوة»، باعتبار هذه المبادرة حملة تفاعلية تعمل على إحياء الانتماء الاجتماعي والحضاري المشترك لأبناء هذه المنطقة
كما تم تنظيف النبع والمنطقة المحيطة به من قبل الأهالي والمتطوعين كنشاط جماعي تفاعلي يعيد إحياء التقليد التراثي الذي كان يمارس منذ القدم عبر تاريخ المنطقة حيث كان يعتبر تعزيل القناة الرئيسية بمثابة عرس موسمي جماعي يشارك فيه جميع أهالي المنطقة بتعزيل القناة مما علق بها
- التنسيق بين فرق العمل وأهالي المنطقة مما سيساهم في ترك انطباع إيجابي ينعكس على التماسك المجتمعي الخاص بمنطقة بسنادا ويدفع لتطوير هذه التجربة لاحقاً بين أهالي المنطقة أنفسهم.
- مشاركة فئة من الخبراء المختصين مع عدد من أبناء المنطقة من كبار السن للاستفادة من ذاكرتهم الحية عن المنطقة للمشاركة في جمع المعلومات التاريخية عن النبع والبئر، بحيث تصبح المبادرة متبناة من قبل أهالي بسنادا الذين سيعملون  بأيديهم للحفاظ على تراث ونظافة البئر والمنطقة وتطوير واقعها المائي من ناحية والتمسك بالإرث التاريخي لتعزيز التماسك بين أفراد المجتمع ما سيشكل لاحقاً نواة لعمل مجتمعي.
- مشاركة مديرية الآثار والوحدة الإدارية المعنية
يذكر أنّ المبادرة كانت عبارة عن: تنظيف وتأهيل نبع المياه والبئر التاريخي الموجود في منطقة بسنادا وتنظيف وتجميل المنطقة المحيطة به وترميمها بعد الحصول على موافقة مديرية الآثار.
وتشمل النشاطات التالية:
• الحصول على الموافقات اللازمة لتنفيذ المشروع.
• تنظيم فرق من الأهالي والمتطوعين لجمع المعلومات التاريخية عن البئر.
• تنظيم فرق من الأهالي والمتطوعين للقيام بعمليات التنظيف وفق التراث الشعبي المعمول به تاريخياً في المنطقة.
• تنفيذ أعمال التأهيل والترميم الهندسية والأثرية من قبل مجموعة من المختصين والمتطوعين بالمساعدة مع أهالي المنطقة.
• تصميم وتركيب لوحة تعريفية تتضمن المعلومات التاريخية التي تم جمعها والتي تبين أهمية البئر والنبع.
 

الفئة: