لمـّة وفاء في حضرة الشهادة

العدد: 
9222
التاريخ: 
الأربعاء, 31 تشرين الأول, 2018
الكاتب: 
هدى علي سلوم

أمي لا تحزني ولا تعتبي علي .. إنه النداء .. صوت رفاقي في أذني رصاص.. لهيبٍ في جبهات صدري وقلبي اشتعال.. أشتياقهم ولا أستطيع الفراق.. 
يقبلني برحيق الوداع، ويسارع على عتبة الرحيل التي استقبلته بضع ساعات لا تتجاوز يوماً فيه الوصول والهدوء الذي يأتي قبل السفر، وجهه لوجهي ابتسام، يودعني ( أمي انتظرينا خلف الباب.. إنا عائدون) وكان على شفاه الصبح وعدا ..
ولدي .. حبيبي.. هلم بنا نستقبل معاً رفاقك وأحبابك فقد جاءوك مهنئين مباركين بالشهادة التي أودعتها إلي_ تبسط يديها نحوهم وتضمهم لتشرق أساريرهم سعادة وابتسام على محياهم المضرّج بالبطولة والرجولة_ ولدي  باسل ها هو.. :

البطل الجريح طارق درويش، الذي عاد من الموت المحقق، كان قد أصيب في جسر الشغور بمعسكر القرميد منذ أكثر من ثلاث سنوات، في مهمة ورفاقه لفتح الطريق الواصل من الغاب اشتبرق إلى شطحة، لكن قاذفاً أصابه وفتح بطنه وقضم كتفه وأصاب الرأس إصابة بليغة فقد منها العين اليمنى، قال في حديثه: عند إسعافي ورفاقي إلى المشفى الميداني في جورين، ظنوا أني قد استشهدت، ووضعوني في سيارة الإسعاف ليرسلوا جثماني إلى براد المشفى العسكري، وكانوا أن أبلغوا أهلي بالأمر، ولكن خالي وهو ضابط في الجيش العربي السوري أراد التعرف على الجثمان، وعندما اقترب مني ليودعني، جس نبض شريان عنقي فأحس بسخونة جسدي وأخبر الطبيب، عندها أسرع الجميع لنجدتي ووضعي تحت مشرط العمليات لساعات وأيام، بل أشهر وسنوات، وفي تلك الفترة فارق أبي الحياة، وبقيت أمي تعاني الأوجاع.


اليوم أنا أعمل عند خالي بالأرض وتربية الأبقار، زراعة، وموزع حليب، راتبي لم يصرف بعد، وأنا قد خطبت وأريد أن أكمل بناء بيتي وتجهيزه، الحمد لله مستورة .
وأشد منه وجعاً رفيقه البطل الجريح مصطفى دادا_ من إدلب ، هو من أفراد اللجان الشعبية، وقد أشار إلى أنه تعرض ورفاقه لكمين في دورياتهم على الشريط الحدودي التركي، اصابته خمس طلقات توزعت في أنحاء جسده وأصعبها جاءت في العمود الفقري أدت إلى شلل نصفي تام نال فيه نسبة عجز 100% وتابع بقوله : ليس بحوزتي راتب أو غيره لكن لدي أخوة سبعة يساندونني ويشدوا على يدي لمواجهة الحياة.
يقاطعه رفيقه البطل الجريح عمار أحمد _ متطوع حرس جمهوري وتنبثق منه قرقعة ضحكة ينصت لها الجميع، وعندها أشاربعد أن وقف على طوله الذي أسنده على عكازين بأنه أصيب في جب الأحمر يقذيفة أرض أرض  أتت على قدميه بالبتر، لكنه يقبض حوالي ثلاث آلاف ليرة كراتب شهري، فيه الدواء والعيش الرغيد، وكلكم نظر .
ويلفت انتباهي البطل الجريح فريد عيسى وقد حدق بي, وهو الذي فقد يده اليسرى وساقيه، ولم تثنه إصابته عن فرح  الحياة وهو الذي امتلأ بها حباً وجمالاً، لأسأله: ماذا اختلف عليك بعد ثلاث سنوات مرت على لقائنا بك عند الأيام الأولى من إصابتك؟ فرد وقال: ابتعد عنا الأصدقاء ولم يعد يزورنا بينهم غير القليل، لقد جف ماؤهم وتصدعت جدران تواصلهم.
وكذلك الجريح البطل عامر الذي بات حبيس الجدران منذ خمس سنوات، وهويعاني من الشلل التام بنسبة 100% ليكون الشهيد الحي، لكنه اليوم خرج بعد أن مل منه الفراش، واليوم كانت فرحته كبيرة لينشدهم بلقاء آخر قريب كان قد أوصى عليه رفيقه البطل محمد صالح وهو المنشء لمجموعة سياج الوطن ليقف بجانب رفاقه الجرحى ولو كان به شلل .


الجريح البطل حسين تامر من رأس العين كنت أخدم بالفرقة الرابعة تصاوبت في وادي الضيف وبقيت ثلاثة أشهر في المشفى شلل لأطرافي السفلية وصرت أتحرك وبدأت أفكر بمستقبلي فعدت للدراسة وحصلت على الشهادة الإعدادية والثانوية، واليوم أعد العدة لدخول الجامعة من أبواب الإرشاد النفسي لكنهم لم يوافقوا على طلبي لأنه يتطلب السلامة الصحية وأنتظر وعد وزير التعليم العالي بالوافقة على طلبي وراتبي مثل أي جريح، راتب متقاعد وهو ما يدعو للتساؤل لما لا يكون كموظف تتبدل درجاته، أجلس مع أبي وأمي وأخواي بالجيش، والحمد لله رب العالمين على كل حال.
ريمون نظام إصابتي بالخاصرة أدت لمشكلة في البطن وخزل في القدم, متزوج ولدي ثلاثة أولاد، ليس لدي وظيفة فكان أن بعت داري وسكنت مع أهلي لأصرف ماله في حاجات الأولاد، منذ أكثر من سنة لم أنل أي راتب، وليس لدي رأسمال لأبدأ بمشروع صغير مثل دكان، غير أني أملك أرضاً زراعية يبست أشجارها وأحاول أن أسعى فيها جاهداً مجاهداً لأجل المعيشة وحاجات الأولاد. 
جميع من كان في هذه الارتقائية من الجرحى شكر الآنسة هيام وعائلتها على حسن الضيافة والترحيب بهم، فكان فيه خير مقام مقام، ليس كمثله من مسؤول، وتمنوا أن يكون لجمعهم هذا لقاء قريباً، حيث وجدوا فيه الصحبة الطيبة والرفقة الرضية، فلطالما أرادوه وليس المال الذي يظن بعضهم أنه مطلبهم .
الآنسة هيام أخت الشهيد باسل علي من قسمين،  أشارت إلى سعادتها بلقاء رفاق أخيها الأبطال في يوم ارتقائيته التي شيدت لها البنيان، لتكون جمعة أحباب كما كان الشهيد يود وقالت:
باسل أخي الصغير نسي الهموم الحياتية والدراسة الجامعية والزواج والمستقبل، لتحتل صورة الوطن مساحة الفكر والقلب والجسد، رحل باندفاع ليرفع وطأة الحرب وظلمتها عن أهله والبلاد، ولم يكن لشيء أن يستوقفه أو يثنيه عن إرادته واختياره، فكان من المخيرين الذين اختارهم رب السموات والأرض، والخيرة فيما اختاره الله من رجاله الصالحين، إذ لطالما عرف باسل بين الأقارب والأصدقاء وحتى من داس عتبة داره بأنه ذو خلق جميل وخلق فضيل، لم يعرف الحزن يوماً وكله بالفرح امتلاء، فإذا ما كانت دورهم خاوية فتح نوافذها للنور، وبذر في بيادرها القاحلة الأمل والصبر والتفاؤل لتورق حلماً وسعادة.
 

الفئة: