ممـّيزات من بلدي ... هبة محمد .. خــــــــبرات متراكمة تقرن العلم بالعمل

العدد: 
9221
التاريخ: 
الثلاثاء, 30 تشرين الأول, 2018
الكاتب: 
نور محمد حاتم

يمكن القول عنها إنها سبّعت الكارات، خريجة في قسم اللغة الإنكليزية، حاملة لشهادة الماجستير فيه، هي إعلامية يشهد لها أداؤها لتميّزها في مجال عملها، لذا ليس غريباً عليها أن كانت واحدة من الورود التي تزيّن ساحة المتميّزين، هي هبة محمّد، والحديث عنها يطول بمجمله:
هبة محمد مثال عن المرأة السورية الفاعلة التي تجمع بين عدة مجالات تميزت بهم فهي الإعلامية الكاتبة والممثلة المخرجة و المدرٍّسة، حائزة على شهادة دبلوم في الترجمة و التعريب و على شهادة ماجستير في الدراسات الأدبية والنقدية و قد رشحت أطروحتها حول نهاية العالم في مسرح نهاية القرن التاسع عشر لأن تنشر ككتاب. 

عن تجربتها المسرحية المميزة:
 هبة، الممثلة المسرحية تعيش في داخلها مهما بعدت أو اقتربت من الخشبة و للمسرح دور كبير في تشكيل شخصيتها و حضورها في اي مكان تكون فيه، هبة أمضت ثلاثة عشر عاماً في المسرح القومي دخلته صغيرة و كبرت على خشبته، فرغم صغر سنّها إلا أنها كانت حريصة على أن تجمع بين ثلاثة أشياء الدراسة و العمل و الموهبة، واستطاعت أن تجمع بين المسرح و دراستها للأدب و أن توفق بينهما، فبالإضافة للأدب الإنكليزي درست هبة في معهد مسرحي خاص «أبو خليل القباني للفنون المسرحية» و بدأت التمثيل المسرحي في السابعة عشرة من عمرها، و اعتلت خشبة المسرح القومي في اللاذقية لتقدم أكثر من واحد و عشرين عملاً مسرحياً للكبار و الصغار و ملاحم وطنية و شاركت بأكثر من عشرين مهرجاناً محلياً و عربياً و عالمياً كمهرجان مسرحي في مصر و تركيا و غيرهم و هي عضو متمرن في نقابة الفنانين، عملت أيضاً هبة في تلك الفترة مع مخرج إيطالي مؤسس مسرح أسترغالي تياترو في ورشة عمل توجت بعرض مسرحي جمع السوريين و الإيطاليين جنباً إلى جنب في مسرحية «هدايا الحرب»، و على إثر مشاركتها المميزة في العرض رشّحت للسفر إلى إيطاليا لتصبح واحدة من فريق مسرح أسترغالي تياترو للسلام إلا أنها اعتذرت عن الانضمام بسبب اقتراب الامتحانات النهائية للتخرج في الجامعة فرغم كل شغفها في المسرح كانت تولي الحياة الأكاديمية أولوية كبيرة.  


أما في ميدان العمل:
فكانت مؤمنة بدور المرأة الفاعل في مجتمعها و أن على المرأة أن تكون منتجة و ألا تقبل إلا بخوض ميادين العمل جميعها جنباً إلى جنب مع الرجل، فعملت في مجال الشركات بعد تخرجها مباشرة كمجال المراسلات التجارية باللغة الإنكليزية و من ثم كمساعدة تنفيذية في شركة الديار القطرية للاستثمارات العقارية و الهندسية في مشروع ابن هاني في اللاذقية، و هنا تقول هبة إنّ العمل في هذه الشركة لم يمنعها من نيل شهادتي الدبلوم و الماجستير.
أما في المجال الإعلامي: 
بعد عمل جاد و خبرة متراكمة استطاعت أن تجمع كل ما لديها لتحقيق أول خطواتها في حلمها الإعلامي بالانضمام إلى فريق قناة أوغاريت كمحررة و أن تنقل خبرتها المتراكمة المسرحية في الإلقاء و الحضور المميز إلى المجال الإعلامي، و هناك و في تلك الفترة سافرت إلى دمشق لتخوض مسابقة لانتقاء مذيعين و مذيعات في التلفزيون السوري الرسمي (الهيئة العامة للإذاعة و التلفزيون)، لتنال المرتبة الأولى في المسابقة، و على إثر المسابقة خضعت لدورة إعلامية مكثفة في الفضائية السورية على يد أساتذة كبار في الإلقاء و غيره تعلمت فيها كل ما يحتاج المذيع من أدوات و مهارات ليكون ناجحاً، و هناك قدمت أيضاً فكرة برنامج «بين الوهم و الحقيقة» الذي نال إعجاباً شديداً، وشاركت كمقدمة في برنامج checkmate مع المقدم و الصحفي البريطاني طوم داغن بالإضافة لتقارير باللغة الإنكليزية لمحطات عالمية، عادت بعدها إلى مدينة اللاذقية للانضمام إلى قناة إعمار السورية التي ساهمت في تأسيسها و قدمت فيها أغلب البرامج من نشرات إخبارية يومية و برنامج حواري «حوار اقتصادي» و البرنامج الصباحي «صباح إعمار» و سهرات العيد «لمة فرح» و مجلة التلفزيون و غيرهم.
و عن تجربتها كمدرّسة:
 شملت تجربتها العملية تدريس اللغة الإنكليزية في جامعات خاصة و منها الأكاديمية البحرية للعلوم و التكنولوجيا و الدراسات البحرية و جامعة الأندلس للعلوم الطبية، و إلى جانب التدريس في جامعة الأندلس عملت كمخرجة للعروض المسرحية العلمية و تقديم المؤتمرات الطبية في الجامعة و خارجها و منها جامعة دمشق، و تلقت خلال عملها شهادات تقدير من كبار القائمين على المؤتمرات و العروض المسرحية. و رُشحت إحدى عروضها المسرحية لعرضها في جامعة دمشق قريباً. 
* كيف بالإمكان النهوض بسورية جديدة بإمكاناتكم الشابة كل من مكانه؟
** حتى نكون قادرين على النهوض من جديد لابد من الاهتمام ببناء الأجيال القادمة، فهم عماد المستقبل و ركيزة التطور و أساس النهوض من جديد، فعلينا أن نهتم بالأخلاق و القيم المجتمعية أولاً و العلم و العمل ثانياً .. الحرب ليست حرباً على البشر فقط بل حربٌ على أخلاقهم و عقولهم و مفاهيمهم الثقافية و المجتمعية و القيم العامة في حياتهم، الحرب بمفهومها التقليدي هي أسهل بكثير من الحرب بمفهومها الخفي الذي يستهدف في المضمون تشويه القيم و الأفكار و أخلاقيات الحياة بشكل عام أي أنه يستهدف منظومتنا الأخلاقية، و الخريف القادم هو خريف يهدم الأخلاق و العقول، تقول إحدى الأبحاث: أنه يهدف لخلق فرقتين في المجتمع واحدة سطحية جداً تهتم في قشور الحياة و أخرى متطرفة جداً و أما أصحاب العلم و الأخلاق سيصبحون ندرة، هذا بالطبع «إن لم يتم اغتيالهم بالكامل»، و من هنا أنا اؤمن اولاً بالتربية الأخلاقية كي تكون الدرع الحامي في وجه أي محاولات لتشويه قيمنا و أخلاقنا العامة، لماذا لا نستفيد من تجربة بعض الدول الناجحة بأن نضيف مادة الأخلاق للمدرسة وخاصةً أخلاق العمل؟ فبعض الدول تهتم بتربية الطفل أخلاقياً في السنوات الأولى لأنها آمنت بأنها السلاح الفعال في البناء و النهوض و التطور، ثانياً لماذا لا نفعل المدارس الصناعية بشكل جاد و عملي بحيث تكون اللبنة الأولى في إنشاء منظومة صناعية قادرة على النهوض بالواقع الاقتصادي بشكل عام ؟ نحن اليوم و نتيجةً لعدة عوامل ترسخ في أذهان معظمنا معتقدٌ غريبٌ هو أن من لا يمتلك القدرات الكافية عليه أن يقصد المدرسة الصناعية .هذا المعتقد مدمر و خاطئ فبعض الدول تعتمد اعتماداً كلياً على التأسيس الصناعي لأجيالها و تؤمن أن المجتمع لا يجب أن يكون أفراده جميعاً أطباء و مهندسين بل هناك بعض الدول تصنف فروع علم الاجتماع و الفلسفة و العلوم الإنسانية و الصناعية كواحدة من أفضل العلوم و أرقاها التي تدرس في جامعاتها و مدارسها لأنها تعنى ببناء الإنسان قبل أي شيء، كما علينا أن نفتح الأفق أمام أجنحة النساء للتحليق عالياً في فضاءات الإبداع، فالنساء هن الجسر الواصل ما بين المجتمع و مفرداته من جهة و ما بين كل معاني الإنسانية و مفاهيمها من جهة أخرى . على نسائنا و «رغم تحررهن و عملهن» أن يحاربن أي قيد فكري على طموحاتهن، و علينا أن نحترم المرأة بخيارتها جميعاً فكم من امرأة سورية في الحرب أبدعت و امتهنت مهنة الرجال لا بل أصعب من ذلك، فقد حاربت وقاتلت و كانت دائما في الميدان .
* نحن بحاجة ماسة إليها في فترة إعمار سورية.. مائة امرأة مثقفة و واعية يعني مائة عائلة مثقفة و واعية يعني مجتمع مثقف و واعي  و هكذا عرفناك كاتبة وأديبة، ماذا عن تجربتك بالكتابة؟
** انا أعتقد اني ما زلت في أولى خطواتي في ميدان الكتابة بالرغم من دراستي في الأدب و النقد إلا أني أعتقد أن هذا المجال بحر من المعلومات و أنا كلي شغف لخوض غماره وأعماقه.. لا بل أن الكتابة هي حلمي الذي يطاردني كل ليلة وهي جسر يصل كل خوالجي و مشاعري بوطني و ذاتي، و هي تجربة عميقة تتحدى الخيال لتلامس القارئ وتشاركه تجربته، الكتابة هي أسمى ما للمرء أن يفعله، بدأت عندي بذرة تشكل الشغف للكتابة منذ المرحلة الابتدائية و الإعدادية فكانت مدرسة اللغة العربية تقف عند كتاباتي و خواطري و تجعلني اقرأها لزميلاتي و حتى أنها مرة لشدة إعجابها بما كتبت نشرت لي بالصحيفة الرسمية خاطرة، و منذ ذلك الحين و أنا أدرس الأدب و أمثله على الخشبة و أكتبه بين صفحات دفاتري و كتبي و مازال الطريق الشيق للكتابة مفتوحاً على مصراعيه أمامي و أنا الآن في صدد كتابة رواية عن الحرب بالإضافة لترجمة رسالتي الماجستير لنشرها ككتاب قريباً أيضاً. 


* إلى أي مدى نحن بحاجة إلى التمكن من اللغة الانكليزية للدخول في سوق العمل؟ 
** مع التطور التكنولوجي الذي شهدناه في الفترة الأخيرة أصبحت اللغة عماد التواصل والانفتاح على الحضارات و حاجة ضرورية للبحث العلمي و سوق العمل، و خلال هذه الفترة الحرجة في سورية نحن بأمس الحاجة لتعلم اللغات على اختلافها، فعدا عن كونها وسيلة للتواصل والانفتاح على ثقافات مختلفة، فإنها أيضاً الوسيلة الأكثر فعالية وقدرة على إيصال صوت سورية الحضاري للعالم و رسم الصورة الحقيقية لسورية السلام و المحبة والتآخي خاصة مع وجود منابر متعددة للتواصل و أهمها الانترنت اليوم، فما من وسيلة أفضل من مخاطبة العالم بلغاتهم وانطلاقاً من هذا المبدأ يتملكني العتب على القائمين و أصحاب العلاقة في المجالات الإعلامية و الفنية و أسواق العمل أسألهم لماذا لا يوجد منبر لإيصال صوتنا في اللغة الإنجليزية أو غيرها من اللغات؟ لماذا لا يوجد قناة تبث باللغات المختلفة ومن أبرزها اللغة الإنجليزية يتم من خلالها بث حقائق الأمور و مجرياتها على أرض الواقع و تكون صلة وصل مع كل المغتربين السوريين و الشركات التي تريد المساهمة في إعمار سورية و تقوم ببث وترجمة أعمال فنية و مسرحية تلك التي تعبر عن خوالجنا و تكون صوتنا السوري المغرد في فضاءات الإبداع و الثقافة؟ مع التأكيد بأنني لا أرى أجمل من اللغة العربية في تفاصيلها و مفرداتها المنوعة والغنية لكن أيضاً فإن اللغات المختلفة ومنها اللغة الانجليزية هي وسيلة فقط لإيصال الصوت و نقل الحقيقة من قلب الحدث مباشرة للمجتمعات الغربية. 
* طموحاتك للأيام القادمة؟
** انا كما كنت دوما نورساً حراً يعشق الطيران من مكان لآخر، و التوقف في محطات مختلفة و الجمع بين عدة مجالات معاً، لا يمكن للسمكة النهرية أن تسبح في المحيطات و إلا ستختنق و أنا بقيت سنوات لأفهم أني سمكة بحرية أهوى الغوص في البحار لذلك أنا سأبقى مثابرة في الميادين الثلاثة فأكاديمياً أنا سأكمل دراستي لنيل شهادة الدكتوراه في الآداب، و في الميدان المسرحي سأكمل في تجربتي الإخراج و التمثيل و كذلك أسعى لتكوين فرفتي المسرحية الخاصة لتقديم كل العروض التي تساعد في إيصال صوتنا لكل المجتمعات و البلدان و في المجال الإعلامي أنا أسعى للعمل فيه إن كان عبر الصحافة المكتوبة أو المجال التلفزيوني، أما الكتابة فستكون دوماً هي المحطة الغنية التي سأقف عندها لجمع خلاصة كل التجارب و الخبرات التي اكتسبها من الميادين السابقة و بلورتها لكلمات تخلد اللحظة. كان تشيخوف و هو كاتبي المفضل يرد على الناس التي تستغرب كيف جمع بين الطب و المسرح بأن الطب زوجته و المسرح عشيقته و أنا كذلك أقول لكل من يتساءل: كيف لي أن جمعت بين هذه الميادين المتنوعة بأن الأدب زوجي والمسرح خليلي و الإعلام مهنتي و الكتابة الماء التي أحتاجها لأبقى على قيد الحياة. 
كلمة أخيرة:
اخشوا من الخريف العربي القادم لأنه يستهدف العقول. فرقوا بين المثقف و المثقف الواعي. دعوا الإنسان يعش ما يعشق و أن يعشق ما يعيشه لا تدعوا الناس تختار لكم حياتكم و دراستكم و عملكم و أزواجكم و أولادكم بل اختاروا أنتم بأنفسكم و تحلو بالذكاء العاطفي كي لا تخدعكم مشاعركم، و كونوا أذكى من أن تعيشوا تعساء، و للمرأة أقول تذكري دوماً أن الحرية عمل، اعملي وانطلقي و قودي مجتمعات و حطمي قيودك و تسلحي بالعمل والعلم، فلو كان هذا العالم تقوده المرأة الأم لما دمرت المجتمعات فأنت مفتاح الدار و بوابة السبل إلى المستقبل المشرق.