وقـال البحــــــر.. الردحُ.. والردحُ المعاكس

العدد: 
9208
التاريخ: 
الخميس, 11 تشرين الأول, 2018
الكاتب: 
شروق ديب ضاهر

مشهد هزلي يعيشه فضاء الإعلام العربي هذه الأيام بعد أن طفت قضية اختفاء الصحفي السعودي جمال الخاشقجي على سطح البرامج الإخبارية بينما غرقت جثته في قاع الغموض الممتلئ بإشارات التعجب والاستفهام.
إعلاميو القنوات الفضائية التي تدور في غاز قطر وجزيرتها لطموا وجوههم والصدور متسائلين: أين الرجل؟ أين اختفى؟ خطيبته كانت تنتظر على باب القنصلية السعودية في إسطنبول، دخل ولم يخرج! فيأتيهم الرد المفحم من إعلاميي القنوات الفضائية الدائرة في كاز السعودية رادحين مستنكرين: المرأة ليست خطيبته هذا ما أكدته آخر زوجاته! والكاميرات في قنصليتنا تصوّر ولا تسجّل إذ تمنعها مروءتها عن الغيبة والنميمة!
أتوقع أنّ الكوميدي دريد اللحام الذي أضحك الملايين بكى عندما تابع مشهد القنصل السعودي يجول في القنصلية وهو يفتح أبواب الخزائن فيها مؤكداً أن الخاشقجي ليس في داخل أحدها، لكن فتحه لأدراج المكاتب الصغيرة أمام آلات التصوير ينبئ الجميع أن أذني الرجل وأصابعه ليست داخل الأدراج!
ما استوقفني في المشهد أنّ الشرطة التركية لم تدخل القنصلية إلا بعد خمسة أيام من حادثة السيناريو الوحيد المحتمل فيها هو مقتل الصحفي، وعدم دخولهم كان حجة أن القنصلية أرض سعودية والأمر يتطلب إذناً وبروتوكولات بغض النظر عن احتمال وقوع جريمة . . فلنعد بذاكرتنا بضع سنين ولنقف أمام سفارة الجمهورية العربية السورية في باريس.
أمام باب السفارة تجمّع بضع أشخاص من غوغاء ما كان يسمى بالثورة، فسمحت لهم الشرطة الفرنسية بتسلق مبنى السفارة ووضع قطعة قماش مشابهة لقطعة القماش التي كان رئيس المخفر في مسلسل باب الحارة يضعها أمامه في إشارة إلى عهد الانتداب الفرنسي دون أيّ مراعاةٍ للقانون الدولي أو البروتوكولات الدبلوماسية رغم أن علم الجمهورية العربية السورية الرسمي كان ولا زال يرفرف في ساحة مبنى هيئة الأمم المتحدة.
قيل في تراثنا: لكل زمان دولة ورجال، لكن رجال سورية عاندوا الزمن وتراثه وأبوا إلا أن تظل رجولتهم عنواناً يُصنَعُ الزمان تحت خطيه.
بعد عجاف الحرب الثمانية بقي خفّاقنا المقدس يرفرف في سمائه داخل سورية وخارجها بينما عادت قطعة قماش (ثوّار الغفلة) إلى درج رئيس مخفر مسلسل باب الحارة ولم نعد نسمع في فضائيات الغاز والكاز إلا الردحُ والردحُ المعاكس.