طقوسٌ مبهجةٌ في موسم قطاف الزيتون ..

العدد: 
9208
التاريخ: 
الخميس, 11 تشرين الأول, 2018
الكاتب: 
ازدهار علي

موسم الزيتون  يعد جزءاً من الموروث الشعبي نظراً لما يحمل هذا الموسم من إرث غني بالحكايات والأغاني والأهازيج  تحولت إلى طقوس مبهجة يتناقلها الناس من موسم إلى آخر وتدور حول  بشائر الخير ومراحل جني الزيتون وقطافه واستخدامه إما للكبس أو العصر.
وللحديث أكثر عن مباهج موسم قطاف الزيتون منذ الأيام الخوالي إلى يومنا هذا التقينا السيد نبيل عجمية الباحث في الموروث الشعبي من أهالي قرية بيت ياشوط ريف جبلة الذي رأى بأن موسم الزيتون كان يملأ المناخات والأجواء والنفوس بالعبق والأصالة والشذا المحمّل برائحة التراب، حيث الألفة والتعاون أيام أجدادنا وصوت الصبايا والشباب الذي يشدو بالأغاني الشعبية..
وأردف السيد عجمية قائلاً: كان أجدادنا يخشون من فقدان البركة ويدعون الناس إلى ترك شيء من ثمار الزيتون حتى يأكلها الطير والحيوانات البرية  والإنسان، إذ كانوا  يذكّرون الناس بقولهم: لا تنسوا فقراء ضيعتكم أرسلوا لهم الزيتون والزيت  كي يدعون لكم بالخير  فالله يطرح البركة.. 


وفي هذا السياق، بيّن السيد عجمية بأن موسم قطاف الزيتون في هذا العام بدأ منذ عدة أيام في جبال اللاذقية وسط غياب التفاؤل بالموسم بسبب الظروف المناخية التي سادت هذا العام، لكنه مذكراً بالوقت نفسه بالقول (سنة محيل وسنة قبيل) مما يعني بأن الموسم القادم سيكون مبشراً بالخير، ومشيراً أيضاً إلى أن موسم الزيتون في الجهة الشرقية لسلسة الجبال المطلة على سهل الغاب كان جيداً ووفيراً.
واسترجع السيد عجمية ذكريات أهل القرية أيام قطاف الزيتون الذين كانوا يتجمعون حول المعصرة ويتبادلون الأحاديث والحكايا بانتظار دور كل واحد منهم في عصر الزيتون، إذ أن يومها لم تكن هناك طرقات معبدة وسيارات وكان الأهالي ينقلون الزيتون إلى المعصرة على ظهور الدواب وحسب رأيه  كان الزيت يحمل  بركةً أكثر، وحجر الرحى التقليدي ما زال في مكانه لكنه توقف عن الدوران  وما عاد يعصر زيتاً ولا يحمل إلا ذكريات الزمن الغابر.
وحول جودة زيت (الخريج) الشهير في قرية بيت ياشوط قال السيد عجمية: 
يعد زيت الخريج الزيت الأول في العالم والأغلى سعراً ولقد وصفه البعض بالجرافة التي تجرف كل الأمراض من جسم الإنسان.


يرتبط هذا النوع من الزيت مباشرة ببيت ياشوط وريف جبلة وهناك روايات شفهية تفيد أن يوسف ابن ياشوط هو من نقل هذه الطريقة إلى بيت ياشوط في العام/1580/م بعد عودته من قرية الرعوش التي تبادلت سكن العائلات مع بيت ياشوط الأم حيث يتمّ  سلق الزيتون في أوعية كبيرة وقبل إتمام النضج يُرفع من الماء ويوضع في سلال كبيرة يفرش بعدها على قاعدة حجرية متسعة مستوية السطح بشكل حوض رقيق له حافة مرتفعة قليلاً تحصر بينها كمية الزيتون لتصريف الماء عند استعمالها لاحقاً في عملية استخراج الزيت، ثم يغطى الزيتون بعدها بأغصان الغار وفيما بعد تستبدل  بحصير مغسول ومجفف أو بأكياس الخيش النظيفة ويترك لمدة أسبوع، وعندما يكشف غطاؤه تنطلق منه أبخرة تسبب تخمره بفعل الحرارة والرطوبة، يُرفع بعد ذلك ليفرش فوق الحصر على الأسطح ويترك ليجف في الهواء  في بداية الشتاء، ثم تجف حبات الزيتون بعد ثلاثة أيام وتبدو مثل حبات الزبيب بعد أن تخلصت من الماء الذي اكتسبته بالتسخين وتصبح جاهزة للتكسير بالباطوس الذي يعمل كمبدأ طحن الحبوب، وهنا يأتي دور الدابة في الدوران ليدور الحجر المربوط به فوق كمية مقدارها ثلاث صفائح توضع لتطحن في كل مرة يتكسر فيها الحب ويقوم الشخص المشرف على العمل بتقريب كمية ثمار الزيتون أمام الحجر بواسطة قطعة خشب وكلما ابتعدت الدابة قليلاً تصبح الثمار أقرب ما تكون إلى عجينة مضمخة بالزيت الذي يلمع.
وفي مثل هذا اليوم تقوم النساء بإعداد خبز التنور الطازج للاستمتاع بتذوق الزيت من الباطوس ثم ينقل مطحون الزيتون من الباطوس إلى الجرف الحجري الذي يتكون من حوض يوضع فيه ماء مغليٌ حتى المنتصف وعند وضع عجينة الزيتون فيه واختلاطها بالماء الساخن يطفو الزيت إلى السطح وتقوم المرأة بقطفه باليد وتضعه في الجِرار والأواني كي لا يبقى على سطح الماء سوى قطرات من الصعب التقاطها وقد تضاف كمية أخرى من الماء الساخن تساعد على فصل الزيت إلى آخر حد ممكن وفي النهاية يفرغ الماء الساخن من الحوض وتجمع الأجزاء القاسية المتبقية من نوى الحبوب ثم تعصر من الماء وتجمع بشكل كرات تترك لتجف فيستفاد منها في التدفئة في فصل الشتاء القارس وهو ما يعرف باسم العرجوم.