حنـّـا مينـه والمسـتنقع

العدد: 
9208
التاريخ: 
الخميس, 11 تشرين الأول, 2018
الكاتب: 
محمد صخر حيدر

كُتب كثير عن روايات الكاتب المبدع حنّا مينه، ومن رواياته، ما تحول إلى أعمال درامية، أخصّ منها ((المصابيح الزرق)) وكانت رواية لا تحتاج إلى أكثر من سيناريو، واختيار طاقم العمل والانطلاق.
في المصابيح الزرق، كانت هناك ذروةُ المعاناة، لكنها في الحقيقة تباينت – أي المعاناة – وتكشفت وتمايزت،  في عمل حنّا مينه ((المستنقع)).
المستنقع هي قصة مجتمع ذي نظرة عميقة. أدرك الهمّ والألم والجوع والقهر.  وأدرك في الوقت نفسه قيمة الإنسان. وأن على الرجال ألا يكتفوا بالمكاسب، وإن كانت من مصادر حلال، بل عليهم أن يحافظوا على قيم الرجولة في دمائهم وقيمهم التي يؤمنون بها.
لقد أثبت الأديب حنّا مينه في روايته ((المستنقع)) أن الحياة فيها صراعات كثيرة، قد تصل إلى مراتب الحروب وتداعياتها، وقد تصل إلى مراتب اضطهاد الآغا – الفلاح، وغير ذلك من العقبات. إلا أنّ الحياة نفسها تحمل في طياتها آلاماً يصعب حتى على الجبابرة أن يتحملوها.


في سياق الرواية كلمة (ساز) وهي كلمة تركية تعني باللغة العربية (المستنقع). فكيف يمكن  العيش سنوات في مستنقع؟ وهل هو مستنقع يشبه غيره من المستنقعات؟ الحقيقة هو ليس كذلك. إنه عالم غرائبي، يمكن لذي المخيلات الخصبة، أن يتصوروا واقعه وحاله. ويبقى الإحساس بالألم العميق الذي يئد في لحظات عديدة كل الآمال والأحلام.
كان يمكن لمدينة اسكندرون أن تكون ناووساً لكل أولئك الذين سكنوا حي الـ (ساز).  إلا أن مقاومة الإنسان الحيَّ, لم تأت على خلفية تحصينه، يبدو أن الزمان قد طوى في جسده كثيراً من قرميد قاسٍ، تتكسر عليه نوائب الحي الذي خذل أهله. فصار كل شيءٍ في حياتهم باستثناء قدرته على تقديم عون لهم – أي للسكان-
في المستنقع، وعلى الرغم من المعاناة، إلا أن جانباً يدعو إلى الفخار فيها، وهو تلك الانتفاضة عند شباب وأطفال مجتمع (ساز) ورغبتهم في العلم والتعلم. والصبر على واقع لا يصبر عليه إلّا الجبابرة.
لقد سمعت في حياتي كثيراً عن واقع ومعاناة كثير من أهل لواء الاسكندرون، ومنهم والدي الذي نزح عن اللواء مع أسماء كثيرة معروفة ومنهم زكي الأرسوزي، وكان وقتها في الرابعة عشرة من عمره.
لم يعش والدي في حي (ساز) لكنه عانى الأمرين بعد خروجه من اللواء، إلى أن رمم حاله وأعاد بناء ذاته، مؤسساً أسرته الحالية، في أجواء مثالية بالمطلق.
المستنقع هو المعجزة التي يمكن أن يعيش فيها الإنسان، وفي نهايتها يصل الطفل حنّا مينه مع والديه إلى مدينة اللاذقية، لنعيش معه في رحلة أخرى هي تتمة المعاناة، عنوانها (بقايا صور).
 

 

الفئة: