غــــذاء العقــول

العدد: 
9208
التاريخ: 
الخميس, 11 تشرين الأول, 2018
الكاتب: 
نعمان إبراهيم حميشة

القراءة لعبة ذهنية ممتعة ذات أثر إيجابي تفتح الباب واسعاً لتنشيط الخيال وإشعال فتيل الظنون في الذهن وتغذية براعم الأسئلة، وهي الفعل الخلاّق الأول والأخير للعقل بلذّة يسرح فيها الفكر لأبعد ما تدركه العين، وهذا ما أكده جميع الذين وصلوا إلى القمة في جميع النواحي.. الأمريكي بل غيتس الملياردير الأول في العالم قال في محاضرة له بجامعة هارفرد: (القراءة سرّ نجاحي).. فهل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون..؟!
القراءة خطوة رائدة في تحريك العقول وانغماس كلّي في العمل الفكري أو الأدبي والبحث عن السرّ الكامن في الكلمات وفكّ طلاسم المخفي بين السطور والانفعال في أجواء الكتاب وكأن الأحداث تجري في خياله هو، وهي إغناء للمعرفة واستقصاء للمعلومة وتهذيب للحياة، ووسيلة من وسائل التواصل البشري بين الشعوب وتلقي رسائل الآخر البعيد المختلف، وحالة تشاركية بين الكاتب والقارئ في مكان دافئ يجتمع فيه غريبان في حميمية مطلقة، وتجاذب بين طرفين والتقاء بين صوتين، صوت مبدع يرسم بكلماته وسطوره لوحة الحياة بطريقته، وصوت يقرأ ويتلقى ويتفاعل ويتداخل ويفور في أعماق مرامي الكتابة وتجعله يرى عالماً جديداً لم يره من قبل.
القراءة معول يحفر لمساعدة  المرء على اكتشاف ذاته والآخرين، ويتواصل مع أناس لم يرهم ولا يعرفهم، واستقصاء التكوينات الباطنية للمجتمع وكشف التركيبة الاجتماعية للواقع السائد ورصد عمليات التغيير الاجتماعي، واستطلاع المناطق البعيدة المجهولة برغبة واستمتاع للحصول على الثقافة العامة والراحة النفسية والاطلاع على الأفكار والآراء المختلفة وتكوين رأي خاص حولها والاستفادة من المعلومات التي يجمعها ويخزّنها في ذاكرته.
القراءة ورفع المستوى الثقافي للفرد والمجتمع تسهم في تنمية وتطوير الذات والطاقة الإيجابية لدى الإنسان، وهي العتبة الأولى للولوج إلى المعرفة وتذوق الأعمال الإبداعية المعاصرة والاطلاع على لآلئ الأدب العالمي وتغذية الحساسية الروحية والذوقية وتنمية الوظائف النفسية والتأويلات النقدية والتنقيب لاختلاس أجوبة على أسئلة غير موجودة، وتفجر داخل الإنسان وفي قعر ذاته نبع القدرة على الحلم والاستفادة من الأدب.. يقول الكاتب البيروفي ماريو فارغاس يوسا: (أنت تتعلم كيف تتحدث بعمق ودقة ومهارة من الأدب الجيد).
الثقافة تسهم في بثّ الوعي وتزيد التجذر في تراب الوطن وترسيخ القيم وتعزيز الانتماء والوفاء لدماء الشهداء، وللوصول إلى المعرفة المنتجة وترغيب الناس للإقبال على القراءة والسعي إلى خلق جيل قارئ يؤمن بأهمية العلم والمعرفة ويعي مسؤولياته تجاه بناء وتطوير مجتمعه ووطنه، والتوظيف الاجتماعي لها للوصول إلى الحياة الأفضل وخصوصاً بعد هذه الحرب الظالمة وما جرّته من ويلات على سوريّة وشعبها، وإن غذاء العقول قبل البطون، والإغاثة ليست بتأمين الغذاء والكساء فقط، بل إغاثة العقل بالفكر النير المبني على المحاكمة العقلية الواعية وبناء الإنسان القومي المحصّن.
 

الفئة: