شاعرة الأمومة

العدد: 
9208
التاريخ: 
الخميس, 11 تشرين الأول, 2018
الكاتب: 
نور نديم عمران

على الرغم من سعة  صدر  الوطن واتساع حضنه الذي استوعب الكثيرين إلا أن ذاكرته أو فلنقل من أرّخ لهذه الذاكرة كان ظالماً في إعطاء قامة من قامات الشعر العربي الحديث حقها.. فالشاعرة هند هارون (بنت الساحل) لم تحظ بحقها كفاية في حياتها كما لم تفعل بعد مماتها، على الرغم من محاولات كثير من النقاد والأدباء لفعل ذلك إلا أنها كانت محاولات فردية، فشاعرة كهند يجب أن تفرد لها كتب وتدرس في المناهج التعليمية  كصوت نسائي قوي  صدح في زمن الاستعمار ليعلن أن المرأة السورية حاضرة بقوة منذ القدم، حيث عايشت شاعرتنا  أحداث كثيرة أهمها الوحدة العربية، الانفصال، القضية الفلسطينية وغيرها، من أحداث سياسية واجتماعية، فالشاعرة من مواليد اللاذقية عام ١٩٢٧ من أسرة مقاومة للاحتلال الفرنسي، اضطهد أفرادها وشردوا وسجنوا وصودرت أملاكهم كما أنه قد حكم على بعضهم بالإعدام لنضالهم وكفاحهم.
كتبت الشعر في سن صغيرة ونشرت  باسم (بنت الساحل)  وكبرت لتعمل في مجال التعليم ثم مديرة لثانوية الكرامة ورئيسة لفرع  اتحاد الكتّاب العرب في مدينتها.
ومازال طلابها يتحدثون عنها بحنين وتقدير لرعايتها وحرصها عليهم واهتمامها بالموهوبين منهم وقد ارتسمت في مخيلاتهم صورة مكتبتها الضخمة التي ضمت نفائس كتب الأدب والمعرفة.
كانت أمّ الجميع فاستحقت  بجدارة لقب شاعرة الأمومة لاسيما بعد مرض  وحيدها ورحيله وهو في ريعان شبابه، فخطت تجربتها أثناء مرضه قصائد تعد من درر الشعر الحديث نظراً لصدق معاناتها وحرارة كلماتها ودقة تصويرها، وقد غلب على أدبها الطابع الوطني والوجداني والاجتماعي.
صدر للشاعرة خمسة دواوين شعر أنشدت فيها للوطن والحب والإنسانية والأمومة: سارقة المعبد، ديوان عمار، شمس الحب، بين المرسى والشراع، عمار في ضمير الأمومة.
قالت عن مرض ابنها وموته نثراً: بعد أن مرض عمار هددني خوف قاتل بفقد فلذة كبدي  وكنت عاجزة إزاء القدر يريد أن يطفئ شمعة تضيء قلبي، تموت وتحيا كل يوم وأنا أرى الزهرة المتفتحة تذبل ثم تنضر من جديد، ويقف الطب عاجزاً.. وهكذا أعيش مرحلة العذاب ويرحل عمار، تبقى لمحات وأرفض الموت لأني أريد حياة أكبر من خلال تصوير أدق مشاعر الأمومة. 
وأما شعراً فقالت:
هذا وحيدك والمخاطر حوله 
في لجة الأقدار بين ذئاب 
لن تنعمي بربيعه...لن تشرقي
بأمومة ...دفاقة الأطياب
ومن منّا ينسى قصيدتها الجميلة التي حفظناها منذ الصغر ورددناها في كل مناسبة تتحدث عن عظمة تلك العلاقة التي تربط بين الأم وأبنائها:
رفيفُ الحُبِ يا ولدي ...حنانُ الأمِ في الكبدِ
يُزقزِقُ في جوانِحها ... كنغمةِ طائرٍ غردِ
يُطِلُ على نواظِرها .....بريقاً رائِعَ الوقدِ
زرعتَ النورَ في عيني ..زرعتَ الخوف في سهدي
بنوتُكَ التي سطعت .... أفانين مِنَ الرغدِ
طفولتُكَ ازدِهارُالروضِ .. بعدَ تساقُطِ البردِ
سقيتُ زُهورها دمعي ... وجهدَ الروحِ والجسدِ
تذكّر أنني الجذرُ .....الذي أنماكَ يا ولدي
توفيت هند هارون بنت الساحل السوري عام ١٩٩٥ بعد أن قالت:
(سأنشر يوماً هذا الشعر أو ينشره الناس بعد رحيلي ،عندما يرف الصفاء وينقي المادة التي طغت على النفوس )
ونحن سنظل ننشر شعرك يا أمّ عمّار  على الرغم من أن الزمن لم يصف ومازال حب المادة يطغى على النفوس. ..  ولكنه الشعر يورق في شجرة الحياة ليمنحنا الأمل بغد أجمل.
 

الفئة: