صوتكـــــــــم وعينكــــــــم.. جدول الضرب

العدد: 
9208
التاريخ: 
الخميس, 11 تشرين الأول, 2018
الكاتب: 
رندة حيدر

أحاول النظر إلى السبورة لكنني لا أرى سوى رأسها الكبير ذا الفراشات البلاستيكية اللامعة والمغروسة في شعرها المجعّد، أحاول الابتعاد قليلاً لاكتشاف زاوية أستطيع عبرها متابعة درس الرياضيات عن جدول الضرب.
أكتشف بعد عدة محاولات يائسة أنني لن أستطيع الرؤية، فأنا أجلس في المقعد الثاني وتلك الفتاة ذو الفراشات البلاستيكية تجلس في المقعد الأوّل وتمنع عني رؤية ناتج ضرب الصفر بعددٍ ما. 
انتظرت نهاية الحصة بفارغ الصبر وأنا أجهّز حواراً مقنعاً أستطيع به مشاورة آنستي، وأطلب فيه- بمنطقٍ ذي سبعة أعوام- تغيير مقعدي ونقلي إلى المقعد الأوّل لأنني لا أستطيع رؤية السبورة بسبب الفتاة الطويلة ذات الفراشات.
دق الجرس، وخرج الطلاب وتوجهت أنا بكل رزانةٍ وملامح جديّة إلى مكتب الآنسة التي تلملم أغراضها وبدأتُ بالحديث عن التغيير والعدالة، وبعد الانتهاء من إيضاح نقطتي القاضية بالتبديل بين مقعدي ومقعد الفتاة، نظرتُ إلى آنستي التي تقول بصوت مرحٍ وهي ممسكة بخدي الأيمن بين إبهامها وسبابتها (هذه بنت المديرة)!
كنت ذا سبعة أعوام عندما عرفت أنّ هذه الجملة هي مفتاح الحياة في هذه المدينة، كبرت ودخلت المدرسة الإعدادية، تقدّمت إلى فحص الإعدادية وأنا أرى تلك الفتاة التي تزداد طولاً، تحصل على إجاباتها جاهزة، كبرت ودخلت المدرسة الثانوية، تقدمت إلى فحص الثانوية العامة وأنا أرى اسم تلك الفتاة من بين الثلاثة الأوائل بعد أن كنت شاهدةً على حصولها على إجابات جاهزة مرة أخرى، كبرت ودخلت مدرسة الحياة ورأيتُ كيف أًصبحت تلك الفتاة فتيات كثيرات وشباباً كثيرين، أًصبحت تلك الفتاة طويلةً جداً وكاد أن يلمس رأسها السماء، أًصبحت تلك الفتاة قانوناً لوحدها، بل أنها عالمٌ محميٌ من كل القوانين.
كم أكره الفراشات البلاستيكية اللامعة، فهي لم تسمح لي بمعرفة كيف أنه عند ضرب الرقم مئة مليون بصفر، سيبقى الناتج صفراً مهما حاولت!.
 

 

الفئة: