المســــرح الجـــامعي في اللاذقيــــــــــــة...مســــيرة طويلـــــة متوّجـــــة بالنجـــــاح

العدد: 
9207
التاريخ: 
الأربعاء, 10 تشرين الأول, 2018
الكاتب: 
مهى الشريقي

 مسيرة عمل وجهد وتعب لم تكن نتائجها سوى النجاح والتألق والإبداع رغم جميع الظروف بحلوها ومرّها، ومازالت العجلة تدور مع شباب تجاوز عددهم 500 طالب وطالبة، كان لبعضهم كلمة بدأت بالمسرح الجامعي وانتهت في التخرج من المعهد العالي للمسرح كمتفوقين في دراستهم وعملهم مثل: أكثم حمادة، شادي كيوان، عبد الرحمن كيالي، نور غانم، مها أبو خليل وغيرهم.
 وكان لغيرهم حلمه بدخول نجومية الدراما حسن عباس مروراً بأكثم حمادة وباسل حيدر وصولاً إلى رشا بلال.
  المسرح الجامعي في اللاذقية قصة نجاح ممزوجة بجهد وفرح وألق رسمه العديد من المحبين للمسرح، وفيما يلي يحدثنا الفنان هاشم غزال مدير المسرح الجامعي في اللاذقية وأحد أهم المؤسسين لهذا المسرح ليوثق بكلامه كل مّا يخص هذا المسرح بداياته، مسيرته، نجاحاته، نشاطاته، ومشاركاته، والجوائز التي حققها لتكون شاهداً ومرجعاً للحركة الثقافية في محافظة اللاذقية عامةً، وللحركة المسرحية خاصةً، للتعريف بها لكل المهتمين بالشأن الثقافي والمسرحي، إضافة إلى شهادات حية لأشخاص عايشوه، فأفادوا واستفادوا من تجاربهم في المسرح الجامعي.


البدايات
في أواخر سبعينيات القرن الماضي عندما كان اتحاد الطلبة جزءاً من اتحاد شبيبة الثورة، كانت بداية المسرح الجامعي في اللاذقية، فكان لمجموعة من طلبة الجامعة عرضهم الأول عنوانه (الفرافير) من إخراج يوسف كركوني، ومن ثم عرض آخر بعنوان (الاستثناء والقاعدة) للمخرج أحمد سلمان، وعندما نتحدث عن تلك المرحلة تقفز إلى الذهن مجموعة من الرواد (جرجس جبارة، مروان رشو، الياس حميصي، رفيق مزا، راتب حداد، أنس اسماعيل، محمد بصل  وغيرهم. لكن البداية الحقيقية للمسرح الجامعي التابع للاتحاد الوطني لطلبة سورية كانت في بداية عام 1981 بمجموعة من الشباب أرادوا أن تكون لهم الكلمة، فشكلوا نواة لفرقة مسرحية اعتمدت على نفسها في تأليف وإخراج أعمالها بشكل جماعي، فكانت عروض (حكاية من الميناء، البحث عن مسعود،  البروفة الأخيرة) ولحرصهم على التعلم وتطوير ملكاتهم الفنية قرروا الاستفادة من أكاديميين، فقدموا (الحرب في برّ مصر) للمخرج السينمائي ريمون بطرس و (ترلالا)، تأليف جماعي وإخراج المخرج السينمائي أسامة محمد و(مغامرة رأس الملوك جابر) للمبدع أيمن زيدان وتوالت الأعمال والنجاحات، فرسمت فرقة المسرح الجامعي في جامعة تشرين خطاها وأوجدت لنفسها موقعها المميز في خارطة المسرح السوري، وازداد العطاء فقدمت الفرقة (الرحيل لنبيه نعمان، حكاية الرجل الذي صار كلباً  لجبرائيل كرتوش،  العين لحنا يوسف، زوبك لرجب سعيد تأليفاً وإخراجاً) ولظروف كثيرة توقف المسرح الجامعي من عام 1991 حتى 1996 وفي تلك المرحلة كان لها روادها الذين لهم الفضل بالتأسيس ورسم الخطى ومن هؤلاء الرواد (فؤاد بلّه، محمد حرفوش، هاشم أبو كف، غيّاث سليمه، فهيم أسعد، هيثم محمد، يحيى عجان)  وجيل آخر من الرواد شكل رابطاً بين جيلين نذكر  منهم (فادي سفلو، رجب سعيد) اللذين كان لهما أثر كبير في تطوير وتعليم شباب المسرح الوافدين باستمرار ومن رواد تلك المرحلة أيضاً (لبيب جريس، محمد جوني، حسن عباس، رغداء جديد، هاشم غزال، أكرم درويش) وغيرهم.


  توقف وعودة
 توقف المسرح الجامعي من عام 1991 حتى 1996 حين أتى أحد أعضاء فرع الاتحاد الوطني لطلبة سورية هو الزميل محمد عجيل صاحب الأيادي البيضاء على المسرح الجامعي من العودة إلى تقديم الدعم غير المحدود للمسرح، وكانت العودة على يدي كل من هاشم غزال ورغداء جديد بعمل أول (من صنع الخمر) إخراج هاشم غزال الذي أحدث تحولاً بتاريخ المسرح الجامعي فقدم أعمالاً متتالية شاركت في مجملها بمهرجان المسرح الجامعي، ونالت العديد من الجوائز، وقدم المسرح الجامعي في تلك المرحلة أعمالاً من إخراج هاشم غزال ومحمود القيم لكن تجربة هاشم غزال أكسبته صفة الاستمرارية والتميز، حيث شاركت أعماله في غالبية مهرجانات المسرح المحلية والعربية والدولية، وفرض اسماً للمسرح الجامعي كمسرح متميز على الساحة المسرحية محلياً وعربياً ودولياً.


  مهرجانات ومشاركات
 كنتيجة حتمية للعمل والجهد شارك المسرح الجامعي في جامعة تشرين في جميع نسخ مهرجان المسرح الجامعي المركزي في سورية، ثم تحولت المشاركات إلى عربية ودولية، إلى أن تحولت فرقة جامعة تشرين لفرقة تُطلب بالاسم للمشاركة في جميع المهرجانات المقامة في سورية، ومنها إلى الدول العربية والدولية، حيث شارك المسرح الجامعي في الملتقي الفني للجامعات العربية في مصر لأربع دورات متتالية، مهرجان المسرح الجامعي الدولي بالمنستير (تونس) لدورتين، ومهرجان المسرح العربي في ليبيا، ومهرجان فاس  الدولي للمسرح الجامعي، ومهرجان فيلادلفيا للمسرح الجامعي لدورتين، ونال في كل تلك المهرجانات جوائز عن الأعمال التي قدمها، والملفت أن جميع تلك  الأعمال من إخراج هاشم غزال الذي تسلم فيما بعد مهمة مدير المسرح الجامعي بالمنطقة الساحلية، وأحدث نقطة تحول أخرى في تاريخ المسرح الجامعي حيث اختلفت الرؤى، وسعى إلى ضخ دماء جديدة للمسرح الجامعي من خلال إقامة أضخم ورشة عمل في سورية استمرت ثلاثة أشهر لسبعين طالباً وطالبة دربهم عدد من مسرحيي اللاذقية (رغداء جديد، حسين عباس، د. محمد بصل،  ياسر دريباتي، نضال أحمد، سوسن عطاف، نور الشريف) تلقى خلالها الطلاب كل أنواع التدريب على يدي مدربيهم وعراب الورشة الراحل نضال سيجري، وإشراف هاشم غزال،  تلك الورشة التي غيرت الكثير من تطلعات شباب المسرح، فنضال سيجري التصق بهم، ورفع  سويتهم وسوية المسرح الجامعي، ولم يفارقهم لمدة سبع سنوات لكن الموت خطفه وبقيت رائحة أنفاسه تملأ المكان.
 واستمرت الورشات  لقامات مسرحية سورية وعربية كالمبدع الجميل جهاد سعد،  والسيدة أمل عمران، والممثلة  التونسية زهيرة بن عمار، وورشة مع دكاترة وطلاب  كلية الفنون بالبصرة العراقية، وجميع هذه الورشات أنتجت أعمالاً مسرحية، كان عراب هؤلاء الشباب هاشم غزال مخرجاً لنواتجها.
 ومع توالي الورشات كان لابد من ولادات متتالية لمخرجين شباب حرص هاشم غزال على تطويرهم، وتكليفهم بأعمال مسرحية شاركت في العديد من المهرجانات ونالت الجوائز، بالإضافة إلى الورشات، أقام المسرح الجامعي العديد من المهرجانات الفرعية، وهي ظاهرة لم تقم في جامعة تشرين كمهرجان المسرح الجامعي الفرعي لثلاث دورات، ومهرجان مسرح الاستديو، ومن مخرجي تلك المرحلة السيدة رغداء جديد صاحبة الفضل الكبير في الشغل على أداء  الشباب والإشراف على بعض الأعمال وإخراج العديد من الأعمال وقيس زريقة الذي رافق التجربة ممثلاً ومساعداً ومخرجاً قدم العديد من الأعمال بالإضافة إلى مخرجين شباب منهم (مصطفى محمد، أحمد البدري، علي إبراهيم، وسام أبو حسين، نضال عديرة، وبعض الأعمال الجماعية.


 جوائز.. وجوائز
 تلك المشاركات أفرزت الكثير من الجوائز المحلية العربية والدولية نالها المسرح الجامعي في المنطقة الساحلية تجاوزت الستين جائزة منها:
 × جوائز المراكز الثلاثة الأولى في غالبية مهرجانات المسرح في سورية ولعدة دورات في كل مهرجان.
 × جائزة أفضل مخرج هاشم غزال في مهرجان الشباب المسرحي- سورية لدورتين عن عملي الطوفان، حكايا الملوك.
× جائزة أفضل عمل متكامل في مهرجان الشباب المسرحي باللاذقية بالعمل سايكوا إخراج رغداء جديد.
× جائزة أفضل مخرج قيس زريقة في مهرجان المسرح الجامعي
× جائزة أفضل عمل جماعي لمسرحية (رياح الحريق) في مهرجان فيلادلفيا الأردن ولجنة التحكيم لمسرحية (رياح الحريق) في مهرجان الشباب- سورية.
 × جائزة أفضل سينوغرافيا وثاني أفضل مخرج هاشم غزال عن العرض (حنين) في مهرجان ليبيا للمسرح العربي.
 × جائزة أفضل سينوغرافيا للعمل المسرحي (حفرة) هاشم غزال في مهرجان فارس الدولي- المغرب.
 × جائزة أفضل عمل متكامل الجائزة الكبرى لعرض (رياح الحريق) هاشم غزال  في مهرجان المنستير الدولي- تونس.
× جائزة أفضل عمل متكامل لعرض (حنين) في مهرجان فيلادلفيا- الأردن، إخراج هاشم غزال.
 × جوائز أفضل موسيقى أفضل إضاءة، أفضل ديكور، أفضل إكسسوار لنفس العمل (حنين) لهاشم غزال في مهرجان فيلادلفيا- الأردن.  
وكان لابد من حصول مواهب المسرح الجامعي على جائزة أفضل ممثل أو ممثلة في هذه المهرجانات منهم (رهام التزه، نبال شريقه، باسل عبد الرحيم، مصطفى محمد، ومصطفى جانودي الذي نال العديد من الجوائز المحلية والعربية والدولية وفيما يلي شهادات لأشخاص عايشوا هذا المسرح وتعبوا فيه وعليه.
* رغداء جديد ممثلة وإشراف وإخراج: كانت بداياتي الأولى عام 1986 ومن ذاك التاريخ حتى الآن لم أتوقف عن تقديم العديد من الأعمال المسرحية للمسرح الجامعي بالتوازي مع عملي خارج الجامعة والبداية كانت مع المخرج المسرحي أيمن زيدان في (مغامرة رأس الملوك جابر) بعدها قدّمت الكثير من الأعمال لمخرجين اكتسبت منهم الخبرة (نبيه نعمان، جبرائيل كرتوش، رجب سعيد، حنا يوسف، هاشم غزال) والتجارب الأميز كانت مع الراحل نضال سيجري من خلال عمليّ (صدى)  و(نيكاتيف) اللذين وضعاني على طريق جديدة في العمل المسرحي.
 وشاركت في الكثير من المهرجانات المحلية والعربية والدولية مع المسرح الجامعي، وكان الفضل يعود للمخرج هاشم غزال في تلك المشاركات وفي استمرارية عملي المسرحي الذي تحوّل فيما بعد مع المسرح الجامعي للإشراف والتدريب والتمثيل إذا اقتضت الحاجة.
 قدّمت خلال تجربتي التدريبية العديد من الأعمال، كمشرفة على العرض الجماعي (وجوه) الذي نال جائزة أفضل عمل مهرجان المسرح الجامعي.وأخرجت العديد من الأعمال منها (سايكو) الذي شاركت فيه بمهرجان الشباب الأول في المسرح القومي باللاذقية ونال جائزة أفضل عمل في المهرجان، وما يزال العطاء مستمراً مع شباب المسرح الجامعي.
* عبد الرحمن كيالي، طالب معهد عالي للفنون المسرحية: كل شاب طموح عصامي محبّ ومتعاون يحبّ الفن سيجد ضالته هنا في المسرح الجامعي في اللاذقية، حيث آمنتُ بصدفةٍ غير كل الصدف، صدفة غيّرت الطريق نحو الهدف الذي يولد مع كل شخص بمحطته الأولى في المسرح الجامعي باللاذقية، هذا المسرح الفقير لكنه غني بقاماته، بأبنائه وضيوفه من رحم اللا شيء يصنع أشياء، من تلك الخشبة البسيطة التي بنيت بيدين دافئتين كما يبني الأبّ أول قاعدة لمستقبل ابنه، نعم هنا أتكلم عن الصديق والمعلم والعرّاب هاشم غزال مدير  المسرح الجامعي الشغوف بتجاربه والمقدام بإخراجه المسرحي، لنا الفخر بالانتماء لهذا المكان والفخر بمؤسسيه ورواده، بيتنا الثاني الملوّن بألوان مليئة بالقصص،
 تعلمنا هنا ألّا نأكل السمك فقط بل كيف نصطاده،  تعلمنا التوازن والمبادئ والاجتهاد والأخلاق التي يجب على الفنان أن يمتلكها، تلك الصفات التي مهّدت لي الطريق إلى محطتي الثانية المعهد العالي للفنون المسرحية لأكمل ما بدأت به بالحبّ والعمل الذي تعلمته من الأم الحنون رغداء جديد والمبدع المخلص قيْس زريقة والصديق هاشم غزال الأب والعرّاب الإنسان المبدع الجميل.
* مها أبو خليل، طالبة معهد عال للفنون المسرحية: يقال إن المرة الأولى من كل شيء لا تنسى، والمرة الأولى عندي التي  كنت فيها حرة طليقة المشاعر كانت على خشبة المسرح الجامعي في اللاذقية، خشبة السلام التي كانت جذورها ممتدة إلى أعماق أرواحنا، ذلك المسرح الذي علمني المعنى الحقيقي للعمل الجماعي ذلك العمل المليء بالحب وكل هذا لا يكون لولا وجود أشخاص أفضّل وصفهم بالآباء الروحيين لنا.
 الأم الحنونة رغداء جديد التي أخرجت من مكونات روحي أحاسيساً لم أحسّها من قبل، والأخ الكبير الناصح لي في كل مشاكلي والصديق الذي يدفعني دوماً للأمام قيس زريقة، أما الأب القاسي العطوف عماد وربان المسرح الجامعي فهو الأساس في تحويل مسارات حياتي الفنية فقد أعجبت بأفكاره وشغفه بالسينوغرافيا التي علمني معانيها وأنها الأساس لخلق فضاء مسرحي أخّاذ وشجعني لأحقق حلمي وأنا الآن أسير بخطى ثابته باتجاه تحقيق  هذا الحلم في المعهد العالي للفنون المسرحية في سنتي الثالثة السينوغرافيا.
 شكراً لعائلتي الصغيرة في المسرح الجامعي، شكراً لستائره، لكل سنتمتر من خشبته المقدسة.
* شادي كيوان كاتب وممثل ومخرج ومسرحي: المسرح الجامعي في اللاذقية أسس لحالة متفردة من الارتباط الروحي بالمكان، ومنه للإيمان بالحلم والسعي لتحقيق هذا الحلم، استطاع هاشم غزال عراب ومدير المسرح الجامعي عبر تعاقب سنوات وأجيال على المسرح الجامعي في اللاذقية من تأسيس حالة ارتباط بين روح الأشخاص والمكان من جهة، وبين حالة صقل حالة العشق والهواية تتحول إلى متعة نبيلة ترفع من حسك الإنساني على الأمل كشخص جربت ما الذي  يعنيه أن تكون في هذا المكان حتى وأن لم تتابع حياتك فناناً أو ممتهمناً للعمل الفني، أما عن الذين تابعوا وأنا منهم كان لهذا  المكان فضل الحرف الأول والتجربة الأولى، حين أقول المسرح الجامعي يعني المكان الذي جعل الفن في داخلنا يعني النبل والأخلاق أولاً فيه نتعلم معنى الشراكة والمشروع والتفاني لإنجاح ذاتك بإنجاح شريكك، تعلمنا فيه كيفية تقدير الجهود والعرق وكيف تظل هاوياً طوال عمرك فالهاوي باحث دائم عن التميز والحضور ولا يشبع  ولا يتوقف عن البحث، سأظل ممتناً لسنوات وجودي في المسرح الجامعي، سأظل ممتناً لكل من علمني فيه وجعل مني ما أنا عليه الآن.
أخيراً
كل التقّدير للجهود المخلصة التي ضحّت وتعبت وأعطت من أفكارها وحبّها ودعمها لهذا المسرح الهام جداً الذي شكل ولايزال محطة فكرية توعوية ثقافية لأهم شريحة مجتمعية، عليها يُعّول بناء المجتمع والنهوض به، ونتمنى لها المزيد من التألق والدعم من الجهات المعنية بالشأن الثقافي، وخاصة في هذا الوقت الذي نواجه فيه تحديّات كثيرة أصعبها التي تتعلق بوجودنا الثقافي.