وطــــــن

العدد: 
9207
التاريخ: 
الأربعاء, 10 تشرين الأول, 2018
الكاتب: 
زينة هاشم

الوطن، حارتي الصغيرة التي ركضت فيها ورسمت على جدرانها، ولعبت ببراءة الشقاوة، وكنت أنتظر رفاقي في آخر الشارع، وصوت الضحكة لازال يملأ حدود ذاكرتي حتى اللحظة..
 الوطن مدرسة كبرنا فيها وتعلمنا، حزنّا وفرحنا، وأذكر حينها كيف كان الأستاذ نبياً، والالتزام والانضباط رسالة صادقة وتربية وإيماناً.
هذا الوطن هو المستقبل الذي رسمه أب وأم صادقان، جاهدا بتعب وتفانٍ لتربية أبنائهما ولم يتهاونا أو يسمحا  بالخطأ بكل أشكاله.
 هو ساحة المدرسة الكبيرة الدافئة وقلب المعلمة التي كانت تلزمنا بجمع أوراقها وتزيين الحائط بلوحات امتلأت  بالمعلومات والرسومات والأخبار، وفي كل مرة تقول: ادرسوا فهذا المستقبل لكم ونحن هنا نعمل ونتعب من أجلكم، حافظوا على مدرستكم بيتكم الثاني.
 علمتنا أن الوطن انتماء، واسم وعرض وكرامة وحق وواجب وقوة وعطاء، وكيان.
كبرنا، وكنا ننتظر أن نرى الحلم الصغير يكبر معنا، لنكون في الجامعة، ويكبر الشعور بالانتماء أكثر، كلما أخذتنا أجنحة الاشتياق إلى موطن ولادة عشقنا.
كم كنا نفرح بالعودة ونحن ندرس، ننتظر نجاحاتنا من أجلنا ومن أجل الوطن الذي رسمناه بألوان الربيع، وعندما نجحنا وأصبحنا في عمر قادرون فيه أن نرد للوطن شعرنا أن شيئاً ما ومساحة كنّا نتوقع أن تصغر بدأت تكبر وتكبر وتكبر، وإننا نبتعد عن حضن كان ملاذ أحلامنا، وإننا قد نسينا الطريق، وحدود الدائرة صارت لغيرنا، فكلما اقتربنا من حدود النجاة، كنا نعود فارغي الأيدي في رحلة دوران غير منتهية..
حينئذ أدركنا أن أولوياتنا مفتاح نجاحنا لم تعد تعني إلا سوانا، وإن رحلة وجودنا هي لنا وحدنا، وبعد الخيبة والانتظار، والإصرار على الحياة كما تعلمنا.
بدأ حلم جديد بالمستقبل يحاصر الباقي من الوقت،  وكم من مرة تعثّر واصطدم برغبات من كانت بأيديهم قرارات وجودنا واستمرارنا للعيش كمواطنين، وإننا وللأسف  ضيّعنا حدود الوطن الذي رسمناه  بحب وبراءة وأمل ونقاء
هو ذاته الوطن الذي حلمنا بدفء عطائه، وصفاء  بحره واتساع فضائه وهو يغمرنا بسيل من الياسمين، وفجأة نصحو نجد أنفسنا جائعين، وآخر ليل تعبنا نشعر بالبرد، نبحث عن حق ضائع، حق سقط عن الطاولة ذاتها المستديرة، ومات بسكين غادرٍ من ابن الوطن، على ذات الرصيف الذي جرفته العاصفة، حينها سنبكي لأننا أصبحنا خارج حدود البلد وأن البرد سكن الروح والجسد وأن كل شيء يهتز ويرتجف، وبلاوعي نستيقظ ونحن نصرخ: هل يعقل أننا حقاً ضيّعنا بيتا وحياة وحلم الباقي من العمر؟
هل يعقل أننا كنا في الغربة وأنه كان علينا أن نفتش عن الوطن .. هذا الوطن ذاته كيان وانتماء ووسادة؟.