لحظــــــات في حياتي

العدد: 
9206
التاريخ: 
الثلاثاء, 9 تشرين الأول, 2018
الكاتب: 
محمد صخر حيدر

هي استراحة أتركها إلى قلمي. فهناك ذكريات، كم أود أن يشاركني بها آخرون. 
في البداية أنا لا أعي ثورة الضباط الأحرار في مصر العزيزة على قلوبنا، مهما شهدت من نوائب. لكنني أذكر بشيء من الوضوح، سورية في عهد الاستقلال، في زمن الرئيس شكري القوتلي.
وكان في بيتنا أمر غير عادي، إلا أنه يتضح للمراقب، بأنه فرح. كان ذلك في مطلع العام 1958. وكان عمري وقتئذ خمسة أعوام. 
أذكر أنني شاهدت والدي يرفع عن جدار غرفة الاستقبال، صور الرئيس شكري القوتلي، لكنه يجمعها ثانيةً، مع صور الزعيم جمال عبد الناصر، محاطتين بعلم الوحدة، علم الجمهورية العربية المتحدة.
وكانت أياماً رائعةً بالمقاييس كلها. و كان والدي- رحمه الله- ابن لواء اسكندرون، حريصاً على توضيح أية صورة تستجد، كي لا أقع في حيص بيص. وبالمناسبة، كان عمر أخي سنة واحدة! أي أنه بمعنى آخر، حصل على التعليمات مني، في المستجدات.
وأرى أبي يبكي بكاءً مراً. لكنه بكاء الثكالى. 
كان ذلك في 28/أيلول/1970. فمضيت أنا وأخي نبكي معه، من دون إرادتينا. لكن والدي - على الرغم من ظروف البلد الصعبة - أبقى على صور جمال عبد الناصر وأعلام الوحدة، على الرغم من تحذيرات والدتي! 
في 8/آذار /1963، انطلقت ثورة آذار.
وأبقى والدي على الصورة و الأعلام. 
يذكر أن العراق شهد حركة ضباط أحرار مثل مصر. وحملت المؤشرات أنباء وحدة ثلاثية اندماجية بين كل من مصر و سورية و العراق. وأذكر أن علمنا السوري بقي كما هو، مضافاً إليه نجمة ثالثة هي العراق. 
من دون تلقين أو إكراه، لقنني والدي الوطنية، ليس في إطار سورية والوطن العربي، وإنما في أماكن بعيدة عن سورية. فيوم حكم الديكتاتور تشومبي على الرئيس الأفريقي باتريس لومومبا، أحسست أن أذى أصاب بلادي. 
كان لومومبا زعيماً كونغولياً اشتراكياً. ويوم أعدمه تشومبي، كان عمره ستاً و ثلاثين سنة. 
و يوم مضى إلى مصيره، كانت البسمة لا تفارق محياه، ما جعلني أدرك أن المناضل ماض في رحلة لا عودة منها، هو اختارها بإرادته. 
مرت سنوات كثيرة. مرت عقود، فلم أنس جزءاً من أحداثها. 
لكنني في الوقت نفسه، تعلمت أن الوطن قتال. وحب الوطن غرسة سنديان عملاقة، لا تهون إلا على المتذبذبين.