أحيـــاء ولكن .. أموات !

العدد: 
9206
التاريخ: 
الثلاثاء, 9 تشرين الأول, 2018
الكاتب: 
نديم طالب ديب

عندما يشتدّ ساعد المرء يسير في طريق الحياة المتشعبة المفارق، وهذا يدعوه للتوقف والتفكير ملياً أيّ الطرق يختار، وغالباً يسلك الطرق الأقل صعوبة وربما الأقل فائدة، فلماذا؟
هل من ولد في الظلام عليه أن يموت فيه، ومن ولد فقيراً أن يعيش فقيراً؟
أليس حريّ به أن يكون لديه الجرأة وحبّ المغامرة، فالآمال لا تتحقق دون جهد وتضحية.
هناك أناس تصرفاتهم غريبة كأحوالهم، يسرحون بقطعانهم إلى المراعي رغم علمهم أنها أصيبت بالقحط، وإن سئلوا السبب أجابوا لقد نضب مخزوننا من المؤن، لكن يحذوهم الأمل بأن تمطر الغيوم التي تغطي سماءهم وينالوا من خيرها خيراً، فهي عادة تمطر في أماكن محددة.
وهم يسألون بمرارة المغلوب على أمره، إن قست الطبيعة وجارت عليهم، هل يتخلى عنهم من لديهم القدرة على العون وهم المتحكمون برقاب البشر ومصائرهم الذين أخذتهم مشاريعهم الوهمية وفيض أرباحها؟ هؤلاء الذين يعلمون علم العارفين أن هناك أناساً ليس لديهم عمل ولا وظيفة تستر الحال ولا أرض لزراعتها أو تجارة تدرّ أرباحاً، فهم أحياء ولكن أموات، رغم هذا لا أذن سمعت ولا عين رأت، هذه الأسباب قد تضطرهم لمد اليد للمال الحرام وسلوك طرق وأساليب يحاسب عليها القانون هذا الذي لا يطال إلا أمثالهم.
فما العمل وكيف الخلاص؟ وهل من ممرّ للنجاة إلا بالموت؟
فمن يعنيهم الأمر لديهم عذرهم، فهم ما عرفوا الجوع يوماً، ولا ثقبت أذن أحدهم من صراخ أطفاله الجياع، ولم يروا أماً تهدهد على أطفالها ليناموا وهم جياع، فالأب الذي ينتظرونه ليأتيهم بما يسدّ رمقهم عاد صفر اليدين، والأمّ تستحم بدمعها ومنديلها بلّله الألم.
ما كنت أظن يوماً أنّ الفقر يطعن شهماً ويخنق طفلاً ويقتل أمّاً.
فالحزن في كلّ جنب وهزّ الأسى كل قلب. يرنّ صوت الظلام ولا يسمعه الظلاّم، هؤلاء الذين يتبارون في فنّ الاحتكار وزيادة الأسعار غير آبهين بأرواح البشر، قد تلد الأماني والآمال من رحم الرجاء وتطير محلقة في سماء أفقها مظلم، فتعود وقد تعرت أجنحتها، فتسقط في قاع الانتظار الذي قد يطول أمده.
تأتي السعادة بعد انتظار طويل ترتدي ثياب فرح مستعارة، فهل ستأتي بثياب يزينها الألق؟
فالأسى جرحه عميق مزقه السقام. والصبر أنبت أشواكاً أدمت القلوب.

الفئة: