(مــن تعــب هـالديـــات)

العدد: 
9205
التاريخ: 
الاثنين, 8 تشرين الأول, 2018
الكاتب: 
هدى علي سلوم

جرس يدقّ يعلن صارخاً ساعة الانصراف، بائع فول ساخن وآخر للمثلجات يقبعان أمام أبواب المدرسة، ويعدون العدة لتلبية طلبات أطفال  تدافعوا وقد لفظتهم خارج أسوارها ..
في جدلية صوت وصورة لأطفال تراكضوا وتجمعوا حولها وهي تقف خلف جدار مدرستهم، تشكيل وتناغم روحي، ورحيق عطر لبقايا صور حياة كدنا نفقدها في هذا الزمان المستوحش، قصة وحكاية يترجمها ذاك المشهد:

حلا شحادة - صف رابع، تشتري فطيرتي جبن وتنهمك في الخروج من جلبة طلاب حولها تراصوا كالبنيان، تشقّ طريقها بينهم لتخرج ونتلقف منها بضع جمل وكلمات بعد سؤال: أحبّ أمّ النور كجدّتي، فهي طيبة ولذيذة مثل الفطائر التي تحضرها لنا، وأعرفها منذ دخولي المدرسة، حتى أمي في بعض الأحيان تطلب منّي جلب بعض الفطائر عند الانصراف .
أمّ النور منشغلة بإعداد فطائرها التي انسلت روائحها على الطريق وبين خلايا الهواء، لتمسك بأذيالها كل من يمرّ أو يقترب، وتدفعه للوقوف لأجلها ولو بضعة أجزاء من الساعة أو دقائق معدودات، وهو يمعن النظر بعجينة طيعة بين يديها ويتابعها وهي تجهز بالفرن وأمعاؤه تصرخ (هلمي إلي بها)
يرتفع صوت أم النور بين الأولاد وتقول: (بينكتب عنّي رواية) ..هذا مكاني، ومصدر رزقي وعيش عائلتي، زوجي المريض أنهكه السرطان، وليس بموظف أو أجير، كان سابقاً يعمل دهّاناً، لكن من (تعب هالديات نعيش، ولا يدخل لبيتي ليرة حرام) يرفض الكيميائي والإشعاعي ويتداوى بالأعشاب التي أحضرها من دكان العطارين، والحمد لله الذي بيده ملكوت الأرض والعباد .
اتهموني بتلوث البيئة - أهل بلدية اللاذقية، بعد أن صورني أحدهم، ووضع منتجه في المتحف، فكان منها الشر والبلاء، جرم كبير أن أعمل لسدّ رمق عيش عائلتي، وما زالوا غير راضين بعملي ووقوفي خلف المدرسة، وكل ما فيها محال ومعامل وكازيات وسرافيس وأبواق سيارات وأكوام قمامة تجتاح الأحياء تركوها وتناسوها، وخالفوني بجرم تلوث هوعار عليّ فعله أو التقرب منه.


15 سنة وأنا أعد الفطائر للأولاد، والحمد لله لم يصب أحدهم بأذى منها ولم يشتك، وأغلب المارة من الفتيات والشبان الوافدين من الجامعة يقطعون طريقهم ويعرجون للتحية والسلام، ومعظمهم لا أعرفهم، فالسنوات تتراكض خلف بعضها وتناسينا حالنا أو أهملنا ذلك، وكانوا نعم الأولاد، ربّي يسعدهم و(يبعتلهم أيام حلوة)
أصوات الطلاب تمزق جدار حديثنا الزجاجي الشفاف، بلا تلوث أو تشوه يرمونها بطلب للمحمرة والجبن والمنقوشة الزعتر البلدي الذي صنعته بكلتا تلك اليدين، وتقول:
أصحو في الفجر لإعداد الحشوات من الجبن والزعتر والفليفلة، بعد أن حضرت العجين، وأخرج من البيت في السادسة والنصف، وفي السابعة أبدأ العمل بعد أن أكون قد جهزت المكان وسخنت الفرن لأشوي فطائري واحمّر وجهها الذي  يجذب أحبابي وأولادي حماهم الله، ليحمي وحيدتي نور كل ما لي في هذه الدنيا .
ولما نطقت ببضع كلمات عن سؤالي إن كانت تساعدها، ردت باقتضاب: لا أريدها أن تتعب و تلاقي ما عانيته، هي صغيرة يكفيها  أن تدرس وتجتهد، وأملي أن تدخل الجامعة وتستحوذ على وظيفة في مؤسسات الدولة وتعيش مرتاحة البال وسعيدة وبعيدة عن الهموم والمنغصات وكرب هذه الأيام، فما عانيته لا أرجوه لأيّ من خلق الله، فرج الله كربنا وأزال همّنا وأرجع لبلدنا السلام والأمان .
 

الفئة: