الحقيبـــة المدرسـيـّة بأســفارها في كفة ميزان يحمــل الطّفــل طنـاً و600 كيلو غرام في عام دراســي واحـد

العدد: 
9202
التاريخ: 
الأربعاء, 3 تشرين الأول, 2018
الكاتب: 
هدى علي سلوم

فتحت المدرسة أبوابها على مصراعيها، وعاد الأولاد إلى صفوفهم ومقاعدهم وأساتذتهم، كما قرن الآباء المنبه على ساعة الاستيقاظ والإقلاع، ليبدأ موسم الجد والاجتهاد، ولطالما رافقه القلق والسهر والدروس الخصوصية التي باشروا في البحث عن متعاطيها الأشداء قبل أسابيع وأيام، وطالوا لأجلها السؤال عند كل صديق وقريب ومن يسكن الجوار، كل هذه المنغصات التي يأتي بها عام درسي جديد بكفة (كما يقولون) والحقيبة المدرسية التي يحملها الأطفال بكفة أخرى يرجح لها الميزان، فقد تزيد بحملها على الخمس كيلوات، ليصلوا إلى مدارسهم منهكين متعبين، فهل لهم بعد ذاك من درس وحفظ واستيعاب؟

السيدة أمل تشفق على طفلتها - صف ثالث ابتدائي من حمل الحقيبة بعد أن شاهدتها تسرع في دخول البيت لترمي بها على الأرض، وترمي بجسدها على الأريكة يعتريها التعب وقد خارت قواها، فكان منها أن حملتها باستهجان واستهجاء لتجدها أثقل من أكياس الفاكهة والخضار التي تحملها كل صباح، كما وصلت بها إلى الدكان لتتأكد مما شعرت به فكان أن تجاوز وزنها الخمسة كيلوات، وطفلتها النحيلة المسكينة لا يتجاوز وزنها  27 كيلو فقط، وقتها قررت أن تعود إلى المدرسة وتداوم معها كل يوم لأجل أن تحمل الحقيبة عنها، وإذا ما استطاعت الجري على هذه الحال والمنوال، فعلى الأب أن يتدبر له أمر.
أما السيد علي - فقد وجد الحل في سيارة تنقل ابنه من وإلى المدرسة، حيث أنه يسكن في مزرعة بعيدة عن القرية التي توجد فيها مدرسة ولده، فما كان منه إلا أن يدفع سبعة آلاف ليرة شهرياً، ليحميه من القر والحر، ويبعد عنه أمراض الظهر وتشوهات العمود الفقري، فولده أصبح بالصف التاسع، أي أنه ( شهادة) ويريده أن يرجع للبيت مرتاحاً لكي يتابع دراسته بكل شوق وارتياح وليس عنده انزعاج.
أظهرت دراسة ألمانية وجود أمراض وتشوهات في العمود الفقري والمفاصل بين طلبة المدارس، والسبب هو الحقيبة، 19% من الأطفال دون السادسة من العمر يصابون بتقوس الظهر، و33% كذلك هم بسن (12-14) سنة، و60% من الأطفال يمرون بمعاناة آلام الظهر حتى  بلوغهم 18 سنة، وأكدت أن الطفل يحمل في حقيبته المدرسية ما يعادل 5كيلو غرام ذهاباً وإياباً، أي أنه يحمل طناً و600 كيلو غرام خلال العام الدراسي .
ويرى الأطباء أن حمل ثقل زائد في الحقيبة المدرسية يعرض الأطفال لأمراض في الرقبة والذراعين والكتفين والظهر وحتى القدمين، وقد تسبب أحياناً ضغطاً على القلب والرئتين نتيجة تشوه الهيكل العظمي والعمود الفقري الذي يشبه حرفاً مما يستلزم علاجاً جراحياً، ولذلك يحذر الأطباء من حمل تلك الحقائب الثقيلة خاصة على أحد الكتفين، إذ إنّ احتمال الإصابة قد يصل إلى 30% ويتناقص إلى 7% في حال حملها على كلا الكتفين.
من أجمل الأماكن التي تزخر بها ذاكرتنا وترسخ في أعماقنا هي مدرستنا ولطالما وضبنا لها حقائب سفر بأسفارها، وما إن نتذكرها حتى تجتاحنا قشعريرة دفء وحنين لكل مفردة وتفصيل فيها، كنا طلاباً نحمل كتبنا وحقائبنا، ولم تكن بهذا الوزن أو على هذا الشكل والحجم، أو لم تكن كتبنا تثقل علينا، وتخرج من مدارسنا أطباء ومعلمون ومهندسون . . وغيرهم من المفكرين والمبدعين الذين وصل صيتهم بقاع الغرب والشرق، ألم تكن كتبنا كافية تلك السنوات، واليوم هي متخمة وافرة وشافية لمتعطشي العلم؟ أم أنها نوعية الورق الذي زاد في الوزن لتصبح أثقل من الهم الذي يستوطن الأهل أيام بدء عام دراسي في تأمين مستلزماتها من اللباس والقرطاسية وحتى اختيار الحقيبة المدرسية وما بينهما من أجور لمعلمي الدروس الخصوصية؟
السيدة رؤى تعتقد أن شكل الحقيبة ولونها ضروريان لدفع الطفل إلى أبواب المدرسة  وحبه لها، فطفلها بالصف الأول ذهبت به إلى السوق ليختار حقيبته بنفسه، فوجدته يميل للشخصيات الكرتونية ويتفحصها جيداً فيختارها  باللون الأزرق وقد طبع عليها ( درايمون) وكان قد بلغ ثمنها أربعة آلاف ليرة، واختارت لأخته التي تكبره بعام حقيبة تشابه ما يحمل الكبار، لكنها ما كانت لتتحمل وزن كتبها التي فاقت تصورها وظنها، وأوشكت على الهلاك، وهو ما دفعها  إلى العودة ثانية للسوق لتشتري لها حقيبة تتصدر قماشها (ماشا والدب).
السيدة علا – أكدت أن الحقيبة ذات العجلات مريحة وأخف وطأة عليه، فقد اشترت لولدها صف رابع حقيبة بعجلات كان أن رغب بها، وهي تتسع للمزيد من الكتب والدفاتر كما يمكنه أن يستخدمها في تنقلاته أيام العطل والنزهات، لكن ما يقلقها أن ابنها ينزل على الطريق ويجرها، ليبقى هاجس الخطر من الحوادث يقلقها. وتسأل ماذا تفعل ؟ فقد غيرت له الكثير من الحقائب خلال سنواته الأربع في الدراسة، بحثاً عن راحته وتخفيف وزر ثقلها على جسده الضعيف، لكن ما باليد حيلة الخوف والقلق ما زالا يلازمانها، وترى أنه لا حل لمشكلة الحقيبة المدرسية، رغم أن الأسواق تعج بكل شكل ومقياس ولون، والأسعار تتأرجح حسب الجودة والمتانة، التي يكون فيها أن الطالب خلال العام يحتاج ليس أقل من حقيبتين.
وضعت الهيئة الألمانية لمراقبة الجودة مجموعة من المواصفات الهامة التي يجب أن تتوافر بالحقيبة المدرسية تجنباً للآلام وتشوهات العمود الفقري :
يجب أن تشتمل الحقيبة على أحزمة كتف مبطنة ولينة ولا يقل عرضها عن 30 مليمتراً، إمكانية تعديل طول أحزمة الحقيبة لتتناسب مع طول قامته ولضمان أن تكون الحقيبة منخفض للغاية لا تتجاوز الأكتاف، ولا تتأرجح لاتجاه معين وتحمل على الظهر، اختيار موديلات تحتوي على أسطح أمامية وخلفية ويدخل في صناعتها خامات عاكسة للضوء، واختيار الألوان الغامقة مثل الأحمر والبرتقالي والأصفر لتسهل من رؤية الطفل أثناء مسيره في الطريق أو نزوله من سيارة النقل، مراقبة الآباء لما يوضع داخل الحقيبة فلا ينبغي أن يزيد وزنها الأقصى عن 10% إلى 12% من وزنه.
               

الفئة: