المرأة السورية حاضرة عبر التاريخ ... بدّدت مع الرجل ظلمة الحرب و تحلم أن تشاركه الإعمار

العدد: 
9199
التاريخ: 
الأحد, 30 أيلول, 2018
الكاتب: 
ماهر محمد غانم

أقامت الجمعية العلمية التاريخية محاضرة عن مكانة المرأة عبر التاريخ إلى يومنا الحاضر، قدّمتها سفيرة السلام والنوايا الحسنة لاتحاد منظمات الشرق الأوسط المحامية ريم أحمد عثمان والتي عرضت لتسلسل زمني ابتداءً  من الحضارات القديمة وما مرّ على سورية عبر التاريخ من حاكمات متميزات (سميراميس - الكيلوبترات الثلاث - عشتار الأم السورية الكبرى - زنوبيا العظيمة التي بنت أعظم دولة وقاومت الرومان وناضلت حتى الموت في سبيل بلادها)، إلى العصر الجاهلي فالإسلام الذي منحها حقوقاً كثيرة كحق الذمة المالية والإرث والنفقة والمشاركة في الحياة السياسية، كما ورد ذكرهن في القرآن الكريم في عدة مواضيع (الصالحات - الطالحات).
لتتدرّج المحاضِرة بشرحها عن دور المرأة في عصرنا الحديث من تأسيس الرابطة الأدبية 1922، من قبل نساء دمشق وإصدار أوّل صحيفة نسائية عربية (العروس) إلى الصالونات الأدبية والجمعيات التي تهدف لدعم المرأة وتشجيعها على العطاء، حتى وصلت المرأة في عصرنا الحالي إلى مرتبة نائب رئيس الجمهورية والمستشارة وغيرهما كثيرات.
وانتقلت المحامية عثمان إلى شرح حقوق المرأة في القانون السوري منذ أوّل دستور عام 1952 مارست المرأة خلاله حقها بالاستفتاء، وصولاً للدستور السوري لعام 2014، الذي أكّد على إزالة المعوقات المادية والاجتماعية أمام الزواج والتشجيع عليه، ونص على حماية الطفولة والأمومة.
وتطرّقت عثمان إلى انضمام سورية لاتفاقية سيداو عام 2002 والتي تهدف إلى القضاء على جميع أشكال العنف والظلم ضد المرأة.
كما أشارت إلى مشروع الدستور السوري المقدّم إلى اجتماعات «أستانة» بإعطاء المرأة مساحة أكبر في كافة المجالات.
لتختم بما قدمته المرأة السورية خلال الحرب الظالمة عندما قدّمت الزوج والابن والأخ للوطن، زارعة زغاريد الفرح بالشهادة ومحطّمة بذلك صلابة الصوّان، فالأرقام التي جمعت عن الأرامل السوريات تجاوز المليون بين أرملة وفاقدة زوجها وإليكم تفاصيل المحاضرة:


تراوحت النظرة للمرأة بين دونيّة وساميّة
عندما نتجول في الحضارات القديمة ونفتش في بنية تفكير كل حضارة عن مفهوم المرأة لا نرى اتفاقاً موحداً حول مفهوم المرأة بل يتأرجح بين:
* النظرة الدونية للمرأة بوصفها شيطاناً يوحي بالشر والخطيئة.
* النظرة السامية بوصفها السيدة والحاكمة والملكة والآلهة.
عموماً المرأة عبر التاريخ كانت لها مكانة بمشاركة الرجل في كفاحه منذ بداية المجتمع الإنساني كمصدر الخلق ومورد الحياة من رحمها وحليبها وعطفها.
وقد بدأت كافة الديانات القديمة بالآلهة الأنثى التي تمد الإله الذكر بالحكمة، وكان للمرأة دور بارز في مجال السيطرة الدينية بعالم يموج بالغموض والأسرار، كما كان لها دور بالخصب فهي التي تهب القمح وأوّل من اكتشف الزراعة.
وفي الجاهلية اختلفت مكانة المرأة حسب المستوى الاجتماعي الذي تنتمي إليه نظراً لاختلاف الأعراف والتقاليد للقبائل آنذاك، ففي طبقة الأشراف والأغنياء كانت المرأة محترمة تتمتع بكامل حقوقها كما كانت لها ذمتها المالية المستقلة، فشاركت بالتجارة (السيدة خديجة خير مثال) وكانت تشرف بنفسها على تجارتها، وفي طبقتي العامة والبدوية، فقد كانت حقوقها مهدورة وعليها أعباء كثيرة.
أما في زمن الحروب فقد لعبت دوراً كبيراً بإثارة الحماسة في صفوف الرجال ومداواة الجرحى وحمل الماء، كما حملت بعضهن السيف وبارزت العدو، وهناك أمثلة عن قدرة المرأة على شن الحروب بين القبائل وقدرتها أيضاً على إيقاف القتال والدعوة للسلام (حرب البسوس)، كما برزت النساء الشاعرات اللاتي امتلكن الفصاحة (الخنساء كانت تحكم بين كبار الشعراء) و (الجليلة بنت مرة)، ولكن بالعموم المرأة الجاهلية كانت تورّث ولا ترث وليس لها حقوق بالزواج- الطلاق بعدد غير محدد ويمكن إرجاعها متى أراد الزواج- الزواج بعدد ليس محدوداً، كما انتشرت أنواع من الزواج الفاسد: (نكاح الزنا- نكاح المحارم- نكاح البغايا) وظهرت عند بعض القبائل عملية وأد البنات.


 المرأة في الإسلام .. سكن روحي ومعنوي
كرّم الإسلام المرأة وأعطاها حقوقها وخصّها بكثير من الامتيازات مقابل قيامها بعملين جليلين:
* إعداد نفسها لتكون سكناً روحياً ومعنوياً لزوجها لتخفف عنه حجم الأعباء المكلف بها والتي لم تكلف هي بها قوله تعالى: (خلقنا لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها).
* تحمّل مخاطر الحمل ومشقة الولادة ومسؤوليات الأمومة وتربية الأولاد وإعدادهم لتحمل مسؤولياتهم.
ومن امتيازات الإسلام للمرأة:
* أعفاها من فريضة الجهاد ومقاتلة الأعداء لكن يجوز لها إن أرادت هي ذلك.
* الشهادة أمام القضاء جعل مسؤوليتها نصف مسؤولية الرجل رعاية لمشاعرها.
* جعل عبء النفقة على الزوج بدءاً من المهر إلى حاجات الأولاد.
* جعل عبء القيادة ومسؤوليتها للرجل ليست مفروضة عليها إلّا إذا أرادت دون أن تتحمل ما فوق طاقتها. وخصّها الإسلام بالحقوق التالية:
* حق المساواة مع الرجل بالواجبات الدينية والعبادات.
* خصها بمكانة رفيعة بالجنّة وأوصى بها كأم (الجنّة تحت أقدام الأمهات).
وعليها نفس التكاليف الملقاة على الرجل إلا فيما يتنافى مع طبيعتها البيولوجية، وساوى بينهما بالعبادات والخطاب الإلهي موجه لهما معاً: (إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات).
(ومن يعمل الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة).
* أعطى الإسلام المرأة الثيّب أو البكر حق قبول أو رفض الزواج.
* منح الإسلام المرأة حق الذمة المالية: حيث كفل لها حق الشراء والبيع وإبرام العقود دون تدخل الرجل.
* حق المرأة بالإرث- النفقة (للذكر مثل حظ الأنثيين).
* حق المرأة بالمشاركة السياسية فقد كان للنساء دور في مبايعة الرسول (ص).
* أمر القرآن بحسن معاشرة الزوجة (وعاشروهن بالمعروف).
* تحريم وأد البنات (وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت).
* تحريم زواج المتعة (ولا تكرهوا بناتكم على البغاء).
* رحم الإسلام المرأة فأسقط عنها (الصلاة – الصيام) أثناء الحيض والنفاس.
* معاقبة من يقذفها بعرضها (جلده ثمانين جلدة) ويشهر به ولا تقبل شهادته أبداً.
* كما جعلها قادرة على خلع زوجها إذا كرهته وأبى طلاقها.
* حرم الإسلام طلاق المرأة وهي حائض أو حامل.
 كما كرّمها الرسول (ص): (إنما النساء شقائق الرجال) 
زنوبيا أسست دولة بينما كان العرب يدفنون بناتهم
 للمرأة السورية دور عظيم ففي التاريخ القديم كانت سورية الأمّة الوحيدة التي أنجبت حاكمات متميزات عبر التاريخ (سمير أميس- الكيلوبترات الثلاث من آل جيني حكموا سورية)، وعشتار الأم السورية الكبرى مازال العالم يحتفل بعيد الأم 21 آذار.
* زنوبيا العظيمة: ملكة تدمر التي نقف أمام عظمتها مذهولين: حيث بنت أعظم دولة بينما العرب كانوا يدفنون بناتهم أحيا، وكانت أول من فرض التعليم الإلزامي وقوانين حاسمة ضد الفساد والاحتكار وجمعت بين ثقافة الغرب والشرق وقاومت الرومان وناضلت حتى الموت في سبيل بلادها فعاشت ملكة وماتت ملكة.
في كل ميادين العصر الحديث
لم تكن نساء سورية (حريماً) تختبئ في البيوت حيث أسست نساء دمشق الرابطة الأدبية 1922، وكانت هناك مجالس أدبية (مريانا مراس - ماري عجمي) ضمت عمالقة الأدب و الفكر في سورية، كما تعد (ماري عجمي) رائدة الصحافة النسائية العربية، حيث أصدرت أول صفحة نسائية عربية (العروس) كما ظهر في الـ 1930 صالون السيدة (زهراء العابد) الأدبي الثقافي  وتأسست عام 1922 جمعية (نقطة حليب) ومازالت حتى الآن تمارس نشاطها بدعم الأمهات والأطفال، وتأسست جمعية (يقظة المرأة الشامية) عام 1927 وهدفت لتشجيع عمل النساء بالريف وإحياء الصناعات اليدوية التقليدية، كما برزت السيدة نازك العابد (نجمة ميسلون - سيف دمشق) ابنة محمد العابد والتي ناضلت ضد الاحتلال الفرنسي وأجبرت الحكومة الفرنسية التفاوض معها بعد أن أصدرت قراراً يقضي بنفيها ومن ثم عادت لدمشق وشاركت يوسف العظمة في دفاعه عن الوطن وحصلت على رتبة أول ضابط (نقيب) في الجيش العربي السوري.
كما برزت السيدة عادلة الجزائري والتي تعد رائدة الحركة النسائية في سورية وأسست الاتحاد النسائي عام 1927 وترأسته عام 1967 كما عُدَّتْ دعد حداد (رائدة حركة الشعر العربي الحديث في سورية) وناضلت ضد الاحتلال الفرنسي ودعت لتحرير المرأة.
 أما في عصرنا الحالي فقد وصلت المرأة إلى مراتب رفيعة المستوى كنائب لرئيس الجمهورية (السيدة نجاح العطار) ومستشارة (السيدة بثينة شعبان) ورئيسة مجلس الشعب (هدية عباس) وأديبة (غادة السمان) ورياضية عالمية (غادة شعاع) وغيرهن كثير ممن ساهمن في الصمود ضد هذه الحرب الظالمة.


 المرأة السورية حاضرة في الواقع والقانون
نصت جميع الدساتير في سورية على حقوق المرأة السورية من مبدأ (تساوي الأشخاص أمام القانون دون تفرقة بينهم من حيث الجنس)، وعلى مسؤولية الدولة في توفير جميع الفرص للمرأة للمساهمة الكاملة والفعّالة في كافة المجالات وإزالة كل القيود التي تمنع مشاركتها وتطورها.
 ففي الدستور السوري 1952 وهو أول دستور رئاسي سوري مارست المرأة من خلاله حقها بالاستفتاء، وأكد الدستور السوري لعام 2014 على أهمية الزواج والتشجيع عليه وإزالة المعوقات المادية والاجتماعية لذلك، والعمل على حماية الطفولة والأمومة.
 وفي المادة (23) أكد أيضاً على دور الدولة بتوفير كل الفرص لمشاركة المرأة بكل مجالات الحياة وإزالة القيود التي  تمنع مشاركتها.
 وفي مسودة مشروع الدستور السوري المقدمة من روسيا خلال اجتماعات أستانه: فقد توسع هذا المشروع بإعطاء المرأة مساحة أكبر في كافة المجالات.
ففي الفقرة/5/ مادة 12 وجوب قيام الدولة بتوفير كافة الإمكانيات للمرأة للمساهمة الفعالة بالحياة السياسية- الاقتصادية- الاجتماعية الثقافية وإزالة العوائق التي تحول دون ذلك.
 ونصّت المادة (19) على حق المشاركة في شؤون الدولة والمجتمع بالحقوق السياسية (التصويت- الانتخاب- الترشح) بالتساوي مع الرجل.
 كما أخضع للملاحقة القضائية من يقدم بالإتجار بالنساء.
قانون الأحوال الشخصيّة  لم ينصف المرأة!
 هناك تناقض بين الدستور والقوانين من الناحية الإجرائية و الاجتماعية، ذلك أن الدستور يكفل جميع الفرص للمرأة وإزالة كل العوائق التي تحول دون مساهمتها الفعالة والكاملة، لكن القانون السوري يتناقض مع كثير من المبادئ الدستورية:
* قانون الأحوال الشخصية.
* بعض مواد قانون العقوبات.
* قانون الجنسية
وهناك كثير من الأفكار التي طرحت لتعديل قانون الأحوال الشخصية الصادر بالمرسوم التشريعي 59 لعام 1963 بما يضمن إنصاف المرأة و إعطائها حقوقها، فالقانون ميّز بين الرجل والمرأة بالحقوق والواجبات نتيجة اعتماده على الشريعة الإسلامية، والمرأة بها لا تتمتع بولاية كاملة.
 كما حدد القانون عمر أهلية الزواج بـ 18 سنة للشاب و17 سنة للفتاة، وسكن الأم الحاضن بحال الطلاق لم تحدده النصوص سوى النفقة الزوجية ونفقة الأولاد، ولم يكلف الزوج بتأمين سكن فتلقى المرأة بالشارع هي وأولادها ما لم يكن لها ملك قانوني، وبحال زواج الأم تسقط الحضانة عنها نهائياً.
 وبخصوص تعدد الزوجات ترك المشرع للقاضي أن يأذن بالزواج الثاني في حال توفر شرطين: مسوغ شرعي وقدرة الإنفاق، لكن المحاكم الشرعية تتيح الزواج الثاني والثالث والرابع بسهولة.
 اتفاقية «سيداو» والقانون السوري
صدر المرسوم التشريعي 330 لعام 2002 معلناً انضمام سورية للاتفاقية وكانت هناك عدة تحفظات:
 - المادة 9 تمنح الدولة المرأة حقاً مساوياً لحق الرجل بالجنسية وهذا يتعارض مع قانون الجنسية السورية الذي يحصره بالرجل فقط.
وجاء في المادة 15 الفقرة الرابعة: للمرأة حق اختيار سكنها وإقامتها على حد سواء مع الرجل وهذا يتعارض أيضاً مع قانون الأحوال الشخصية المادة 70 فهي تابعة لزوجها ولا يمكنها التنقل إلّا بموافقته المادة (11) الحق بالعمل حق ثابت لكل البشر رجل وامرأة وهذا يتعارض مع قانون الأحوال الشخصية إذ للزوج حق الموافقة أو الرفض لعمل الزوجة وعند مخالفتها له تعد ناشزاً.
الحرب .. والمرأة السورية
 كانت الحرب السورية ولاتزال طرفاً قاسياً جداً حملت معها كل أشكال التغيير الاقتصادي والاجتماعي بما لم يكن بالحسبان، وأبدت المرأة السورية قدرات عجيبة لمواكبة هذه المتغيرات والتغلب عليها، فتجربة النزوح التي هي الأكثر مرارة لم تعتدها الأسر السورية ما اضطرها للانتقال من مدينة تعيش الحرب بكل أبعادها التدميرية هروباً من الإرهاب والجماعات التفكيرية خوفاً على نفسها وحرصاً على عائلتها ما دفعها لمواجهة أوضاع اجتماعية صعبة ومناخ جديد وفرض عليها التعاون مع الأب بحال وجوده وعبئاً إضافياً بحال غيابه القسري أو موته.
 إضافة لصعوبة التعامل مع الأولاد بمشاكلهم المادية والنفسية والاجتماعية، كما وجدت المرأة نفسها في مناخ اجتماعي جديد لا يخلو من استغلال تجار الحروب لمعاناتها واستغلالهم إياها فقبلت العمل في أوضاع كانت لا تقبلها نهائياً بحال السلم.
 هناك نساء فقدن فلذات أكبادهن وضربوا مثالاً مشرفاً بالصبر  والتفاني ووقفت  توزع زغاريد الفرح في حب الوطن وأخرى تناضل مع ابن أو أخ أو زوج فقد قدمه أو بترت يده أو أطفأت نور عينيه نار الحرب، كما ساهمت المرأة في كافة مواقعها بالمشاركة الفعالة بالدفاع عن الوطن وانضمت إلى الشرطة والجيش والمجموعات القتالية واستشهد عدد كبير منهن وفي الجوانب الأخرى، علّمت وعملت وربت وزرعت بذور الأمل وتمنت أن تحصدها قبل أن تنال الشهادة بالإعلام - العلم - الطب - الرياضة - ساحات القتال - الموت العشوائي الذي حصد الأبرياء بالتفجيرات الإرهابية.
 كما ساهمت المرأة بالمحافل الدولية والعالمية (إعلامية - فنانة - روائية - كاتبة - رياضية) ورفعت علم سورية بكل فخر واعتزاز.
 وفي النهاية: المرأة السورية قاومت إلى جانب الرجل ظلمة الحرب و تحلم بأن تشاركه إعمار هذا الوطن الحبيب بالحب.
 فالرحمة كل الرحمة لشهدائنا الأبرار والنصر المؤكد لجيشنا الباسل.
 

الفئة: