مياهنـــا فـــي خطـــر

العدد: 
9188
التاريخ: 
الخميس, 13 أيلول, 2018
الكاتب: 
نعمان أصلان

في الوقت الذي تشير فيه مؤشرات استدامة المياه في سورية إلى أن نصيب الفرد من المياه في القطر سينخفض من 948 متراً مكعباً في العام وفقاً لمؤشرات عام 2000 إلى 609 أمتار مكعبة فقط في عام 2025 إذا ما استمرت عملية التنمية الاقتصادية وإنتاج الغذاء في القطر وفقاً للأساليب التقليدية المعمول بها حالياً، والتي ستهدد في مرحلة من المراحل بالاستهلاك الكامل لمصادر المياه السطحية وبنضوب المياه الجوفية.
في هذا الوقت، وفي ضوء كل هذه المعطيات الخطيرة فإن التعامل مع الموضوع المائي لا يزال دون خطورة الموقف، ويقتصر على الدراسات والشعارات التي تؤكد على ضرورة ترشيد استهلاك المياه، والحدّ من هدرها، دون أن نجد لذلك تطبيقاً يشفي الغليل، وبتعامل مع المشكلة بأسلوب علمي على الشكل الأمثل، ولعل استمرار هدر المياه بأشكال مختلفة خير دليل على ما قدمناه، هذا الهدر الذي يتجلى بصور وأشكال مختلفة، أولها استمرار ذهاب القسم الأكبر من أمطارنا إلى البحر، بدلاً من إقامة السدود والسدات لتخزينها (رغم المساعي الأخيرة في هذا المجال) واستثمارها واستعمالها في وقت الحاجة الماسة ليس للري وحسب وإنما للشرب أيضاً، حيث لا يزال الكثير من قرى الريف الساحلي الذي يشهد أكبر كميات من الهطول المطري عطش، ولا يزال الكثير من مساحاتنا الزراعية بحاجة للري في فترة الصيف رغم إمكانية ريّه فيما لو وفرنا الإمكانيات اللازمة للحفاظ على مياه أمطارنا، وهو ما لم يتمّ على الأقل حتى الآن.
ومن أشكال الهدر في المياه أيضاً ذهاب الكميات الأكبر من مياه صرفنا الصحي دون معالجة نؤهلها للاستخدام على الأقل في الري، وهو الاستخدام الذي إن تمّ سيسهم في توفير كميات كبيرة من مياه الشرب التي تهدر للري رغم الحاجة الماسة إليها للشرب، كما أن أساليب الري التقليدية التي لا تزال تستخدم في ري مزروعاتنا على الرغم من الشعارات التي طرحت للتحول إلى الري الحديث تهدر قسماً كبيراً من ثروتنا المائية، وحتى إن المساحات التي حولت إلى هذا النوع من الري باتت بحاجة لإصلاح، وإعادة نظر في التقنيات المستخدمة فيها، وخاصة بالنسبة لتقنية الخطوط المكشوفة التي تسهم في هدر كميات من مياهنا، وذلك وفقاً لرأي مختصين.
ويضاف إلى ذلك الكميات الكبيرة من المياه التي تهدر من قبل أصحاب الفعاليات السياحية والصناعية دون رقيب أو حسيب والتي يمكننا في حالة ضبطها توفير كميات كبيرة من المياه، أضف إلى ذلك الكميات التي تهدر من قبل المواطنين. 
تلك الظواهر المسرفة التي تهدر أهم ثروة لدينا وهي المياه التي تعد بمثابة الحياة عند حاجتها والتي تدفع المليارات لتأمينها لمواطننا والمهددة وفقاً لما قدمناه بالنضوب إن استمر التعامل معها بالصورة التي تتمّ حالياً.
وأمام هذه الصورة التي تنذر بأن جرس الإنذار يجب أن يدق، وبأن التعامل مع الموضوع يجب أن يكون بمستوى الخطر الذي يشكله على حياتنا باعتبار أن الأمر يتعلق بالمياه التي تشكل الضرورة الأهم بالنسبة لأية عملية تنموية ليس من اليوم وإنما من الأزل حيث أن قيام المجتمعات البشرية والتجمعات السكانية كان ولا يزال يتمّ بالقرب من مصادر المياه وأن أي عملية تتعلق بحياة الإنسان ونشاطاته صناعية كانت أم زراعية أم سياحية أو خدمية تحتاج إلى هذه الثروة الهامة.
أمام هذا الموقف لابد من تحويل الجوانب النظرية التي تتحدث عن الموقف إلى خطط وبرامج تحافظ على مواردنا المائية، وتستثمر كل قطرة ماء تحت أرضنا أو عليها، وتحدّ من الهدر الحاصل في استثمار مواردنا المائية، وهنا تأتي أهمية مشاريع السدود والسدات والتحول إلى الري الحديث فعلاً لا قولاً، وقمع ظواهر هدر المياه، والتعامل معها بالطريقة التي تتناسب معها، وغير ذلك من الإجراءات التي تسهم في توفير مياهنا، وهي الثروة التي تعتبر أمانة للأجيال القادمة، وذلك حتى لا نصل إلى مرحلة العوز التي لا ينفع معها الندم، لاسيما أن المسألة تتعلق بثروة قابلة للنضوب إن لم يحسن استثمارها، وإن فقدان هذه الثروة يهدد حياتنا وحياة أجيالنا، فهل نتحرك بالأفعال هذه المرة، ذلك ما نأمله قريباً وقريباً جداً حتى لا نقع في المحظو؟.
 

الفئة: