الكاتب والكلمة والوطن

العدد: 
9188
التاريخ: 
الخميس, 13 أيلول, 2018
الكاتب: 
نديم ديب

عندما أودّ الكتابة أفتش الذهن علّني أجد ما يفيد في ذلك، لكنني عبثاً أحاول فما أبحث عنه كأنه تبخر أو هاجر كسرب طيور عليَّ انتظاره كورقة بيضاء تنتظر كلمة لتدبّ فيها الروح.
الكتابة غوص في أعماق الفكر والنطق فهي صناعة الحرف والكلمة لتوضع كفسيفساء على رقعة أو لوحة، وهذا يتطلب الدقة والتروي، وهي رغبة يحكمها المنطق وغاية تسعد الكاتب عندما يسمع صدى كلماته وحزن عندما لا يكون لها أثر إلا ضجر القراء، وهي للتاريخ ولحفظ المعلومات، لكنها تلبس وجوهاً عدة لذلك على الكاتب أن يغير في أسلوبه كما يغير في أناقته وهندامه، وقد تكون تعبيراً عما يشغل الإنسان في أمور مسطرة على لوح فكره يود إخراجها إلى الحياة بعيداً عن عصبية القلم، لذلك ترى عندما يكتب الحكام التاريخ تلوي الأقلام أعناقها حسرة على تاريخ يكتب مشوهاً على قياسهم، فالكاتب.. يطارد خيال الكلمة ودخانها ويبحث في رمادها عن ذراتها وقد تنال منه الخيبة فهي تغادر كما الذاكرة، لكنه لابد أن يعثر على ما يود كتابته، عندها يسأل نفسه كيف جاءه الارتباك فالأحرف لا تنسجم وكأنها في خصام وعليه مقارنة وجهات النظر؟ فكل شيء صامت والكلمات عارية الأحرف والقلم ضاق صبراً، وهذا وضعني أمام الوطن وجهاً لوجه الذي لا يغادر الذاكرة، فهمّي وهمّ كل شريف أن يتعافى مما ألمّ به من غدر وتآمر وخيانة.
وهنا أذكر جبران عندما قال:
الدماء التي أهرقت        ستجري أنهاراً كوثرية
والدموع التي نثرت       ستنبت أزهاراً أزلية
فالإيحاء يأتي من الحب وكذلك الإيمان وهذا كشجرة خضراء نامية فيها ورقها أخضر وزهرها وعلى ظاهرها حياة باطنها، وهناك من هم شكل لا اخضرار ولا أزهار أو ثمار تدل على القلب فأصبحوا كشجرة يابسة لا طائل من وجودها، فمن ليس له أرومة ليس له أصل.
وللحب أوجه عدة منها حب الوطن فالمحبة تولّد التضحية، وهذا واجب مقدّس تجاه الوطن فكيف إذا كان الوطن سورية؟ وهنا على المحب أن يبذل جهداً تجاه من يحب ويبني أسساً متينة ليبقى البنيان راسخاً شامخاً، وما شموخ الوطن إلا بأبنائه فهم وقوده وحطبه.
قال نيتشيه: لا صلاح لأمة فسدت منابت أطفالها.
فالإنسان المتصف بالإنسانية تكون مفرداته إيجابية كالمواطنة الصالحة والحب والوفاء والتسامح، ومتى فقدت هذه الصفات كان جسده قبره، تقول حكمة هندية: بِع حقلك وبيتك وكل ما تملك ولا تبع الإنسان الذي في داخلك ولا تفقده، لذلك على المرء أن يعمل على تحريك قدرته وعقله تحت رداء المعرفة ليمتلك الإرادة والإقدام.

الفئة: