وقـــال البحـــــر...ذاكرة الحنين

العدد: 
9187
التاريخ: 
الأربعاء, 12 أيلول, 2018
الكاتب: 
ناصر هلال

من بعيد يأتي صوتكِ كأنه الصدى، مختزناً ذاكرة الحنين إلى بحر كان (يفرفط) حبّات رذاذه بين أصابعكِ، مستعذباً اللعب بجدائلِ شعركِ، تماماً كما كنتِ تستعذبين اللعب برغوة أمواجه، ونفخها كالبالونات في الهواء.
ولم يكن شوقكِ للبحر ينطفئ، أو يشبع بلقاء يغمر الجسد بقبلات الماء، بل كان عشقاً يزداد ولهاً كلما طوّقت ذراعك خصر موجة، أو طوّق البحر خصرك بزنار ماء.
أعرف لم يكن من شيء يجعلك سعيدة أكثر من رؤية النوارس، وهي تخفق بأجنحتها المرحة، كأنها (تكركر) جسدها بأصابع النسيم، كي ينتشي الريش، وينفرد ضاحكاً، وأعرف إن البحر لم يكن عندكِ ماء للاغتسال، وأمواجاً للعب، ورمالاً دافئة للاستلقاء، بل كان ذاك الغروب المحمّل بروعة الدهشة، تلك التي تقود إلى جلال الصمت، والحزن، والبكاء، وربما إلى الانتشاء، والفرح، والغموض، وكانت تلك الصباحات المحمّلة بندى الخضرة، الآتية من تنفّس الأشجار، وأوراق الفستق، لترسم على جسد الرمل وجوه من عشقوا، وتشهّوا، ورحلوا، وهم يحلمون بعودة.
وكنت تسألين: لماذا في مثل هذه الأوقات تفيض المشاعر وتختلط، كأنها تتناسل متنافرة من رحم واحد؟.
ولأنني يومها لم أكن أعرف الجواب، كنت أسكت الأسئلة بالصمت، وعندما كنتُ أحسّ إن روحك انساحت قليلاً مع ذاك الهسيس المنبعث من تكسر الأمواج، كنت أقول لك: فضيلتنا الوحيدة هي أننا نحس بالأشياء التي من حولنا، وليس بالضرورة أن نفسّرها إنها تماماً كالموسيقا، والرقص، تمسّ مشاعرنا، وتدخل في أعماقنا، ولا نعرف كيف نفسرها، وهذا سر جمالها وروعتها، المهم ألا ندعها تمرّ أو تعبر، من دون أن نأسرها بنظراتنا، أو نحتفظ منها بذكرى للأيام القادمة، لأيام قد يكون الشحّ فيها هو الملح والجرح.
وأسالكِ: ألا تشعرين بنشوة ما تشبه الفيض، أو باضطراب لذيذ وغامض، يشبه رعشة الجسد في أول لقاء حب؟ البحر هكذا يا صديقتي.. في الأماسي الصيفية العابقة برائحة الأسرار، يمشي البحر في الليل من غير ظلّ، من غير خطوات، من غير اتجاه، فقط يعطي وهي الإثارة لذاكرتنا، كي تتخيل ويمضي، إلى أين؟ إلى اللامكان، إلى حيث ما لا يجب أن نعرف، أو نقدر جمال البحر في غموضه، في هذا الاتساع اللامتناهي، في هذه الأسرار التي تسكن أعماقه،
لو مرة عرفنا البحر لأصبح شيئاً عادياً، نغمس أجسادنا في مياهه كأي نهر أو ساقية، ولما كنا أبحرنا في شراع /حنّا مينه/ وسط عاصفة الحب والكلمات. ولم يكن كلامي يعجبك، كانت روحك تتوق لأن تخرج كفراشة من شرنقة الجسد، وتطير بعيداً بعيداً على أجنحة الحلم.
ولم أكن أعرف كيف أخرجك من ذاكرة الوجع، أو الحلم لذلك كنت أستعين بالرمل والماء، أعفرك بالوحل، وأعمّدك بالماء، كأي قديس يعتمد الطهارة، كنت أعفّرك بالرمل، وأعمدك بالماء، فيخرج الجسد منتشياً بطهارة الملح، وملوناً بأشعة الشمس
هل كان وقتاً ومضى؟
نعم، صوتك الآتي من بعيد محمّلاً بذاكرة الحنين يقول نعم، وأنا المعبأ بحقيبة جسدي كالثياب العتيقة أقول: نعم، وأكتم في صدري آهة وجع.
من منّا تغيّر نحن أم البحر؟
البحر يقول نحن، ونحن ماذا نقول؟
كلانا يا بحر تغيّر، أنت صرت حصاناً وديعاً تأكل الإسمنت والقرميد، ونحن صرنا ذاكرة قديمة، تفتح نوافذ ضبابها للحلم والحنين، وتنفخ ما في صدرها من حسرات.