بين الشط والجبل.....وحده أيلول

العدد: 
9187
التاريخ: 
الأربعاء, 12 أيلول, 2018
الكاتب: 
سيف الدين راعي

-1-
إنَّه البحر . . .
هادئٌ . . ساكنٌ . . وهاجع . .
مقلتاهُ ناعستان . . أنفاسُهُ تُنْبئني باستغراقه في أحلامه . .
وإنني الآن أصغي إلى وشوشتهِ.
-2-
وإمَّا تحرَّكتْ أعماقي . . لَدَغتْني أفكاري المتّقدة . . وكم ودْدتُ لو أنَّ لي القوَّة لأتجاوز رعشاتي . . ورأيتني أنفر مذعوراً من غيوم أيلول المضطربة وهي تحبو قلِقة . . فلذتُ بخوفي إلى خوفي مخاطباً السماء بطهرها وبهائها وبكامل فتنتها:
أن أنزِلي عليَّ الغبطةَ قبل انزواء تلك الغيوم المضطربة . .
-3-
أذِنتِ الشمسُ لمغيبها . . ريحٌ غربيةٌ منداةٌ قد أخذت تتبرعم وتزخُّ حبَّاتٍ  حبَّاتٍ راحت تتسارع في هطولها لتغطي كلَّ التلال المحيطة والأودية المجاورة بجلباب سحري . ٍ. في حين أخذت أشجار البرتقال تنزع عنها أستارها وراحت حبَّاتُها يلتمعْن تحت ضوء القمر . .
-4-    
أعرف جيداً أن في الأرض التي نعيش فوق أديمها سبلاً لن تطالها أقدامنا بعد وأعرف جيداً أنها كثيرة المجاهيل . . لذلك أقمت على حوافي جدول خريفي كوخاً يستضيف الصباح على ضحكاته، وترفرف الحساسين على شرفاته ويعربش الياسمين على شبابيكه وتداعبه ريح يلذّ لها العبور على جنباته ويرود بابه النور مدلّها بالحنين . . ورأيت كيف أخذ الزمن يُعشب حدائقَ من حبقٍ وطيون وياسمين . .
-5-
تحت جسر المطر تعرَّيْتُ . .
ركام الأمس حطَّ بالقرب منّي . . قال معاتباً:
لماذا تُسلم موجعاتِك للريح والمطر؟
لماذا تساكن هذا الضباب . . وهذا القلق؟
لماذا أدفق السكن على شرفات الغياب . . والسفر؟
لماذا مكوثك تحت المطر، وأنت عريان حتى من ذاكرتك؟
لماذا أدمنتَ السكن على شرفات الغياب والسفر؟
كأنك لم تعرف بعد أنَّ في الزمن الذي يختلج فيه قلبك تتكوَّن فضيلتك . . وأنَّ من يطلب الحكمة عليه أن يطهِّر غرائزه . .
-6-
أحسستُ بالرغبة في أن أتوارى كما تتوارى الشمسُ في مغيبها وخُيّل إليّ أنني منتظرٌ ما لن يأتي أبداً . .
وحدها ريح أيلول . .
وحده غيم أيلول . .
وحده ليل أيلول
حرَّرتنْي من الأسئلة الحمقى التي بدأت توقظ نوافذ القلق.