وقال البحر ... جسور بين البشر

العدد: 
9186
التاريخ: 
الاثنين, 10 أيلول, 2018
الكاتب: 
عزيز نصَّار

بدت دار الغمام في تلك الأمسية شاحبة ذاهلة، فقد ولد نبأ وفاة زوجة الدكتور محمود الغمام بحادث سير . . هكذا أراد القدر فتحررت روح المرأة من إسارها.
امرأة سمراء ذات قوام نحيل . . كانت شجرة من المحبة والنعيم . . وكانت ممتلئة رقة وحناناً . . جاء بها زوجها من بريطانيا وهي من أصل هندي . . فهز الأهل رؤوسهم آسفين حائرين، واطلقوا عليها اسم الهندية.
تعمقت المودة بينها وبينهم، وارتضوها كما هي. سافر زوجها في بعثة علمية، وبغتة توفيت . . فاجتاحهم شعور بالحزن بكوا بحرقة وانهمرت الدموع.
جلسوا يستقبلون المعزين بوجوه مطرقة واجمة، وقلوب مفجوعة . . كان عليهم إجراء طقوس الجنازة، وازدحمت الأسئلة في الرؤوس، وامتلأت الأعماق بالمشاعر وامتزج الماضي بالحاضر، ومرّ شريط الذكريات والأفكار في النفوس المضربة الحزينة . .
والد الزوج المسافر مستسلم متعب، و مقتنع بأنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا.
وبأنه لا تدري نفس بأي أرض تموت . . قال بثقة وثبات:
- نحن نعرف الأصول . .
أضافت الأم وهي تغص بالبكاء:
- سارت على طريقنا الروحي . .
أوضح ابنها الكبير:
- وربما بقيت على طريقة أهلها في الهند . .
قال رجل درس عقائد الشرق . .
- في حياتنا ما يورث الأسرار ويضرم الحرائق في الكون.
غرقوا في صمت كئيب، وأخذوا يتذكرون أحداثاً بسيطة لا قيمة لها في حدّ ذاتها.
ليتأكدوا من حالتها الروحية . . ويظفروا بإجابة، وتجلت أمامهم قضايا الحياة والموت، والعذاب، والشر، والصلة بالسماء والناس.
رحلت تلك المرأة الشابة السمراء . . وكانت متواضعة تجد سعادتها في المحبة وخدمة الآخرين . . تذكروا يوم زارت المقبرة لنضع إكليل زهر على ضريح امرأة عجوز من آل الإمام. بدت المقبرة هادئة . . وأشارت إلى قبور بسيطة فوق الأرض، وإلى قبور رخامية حفرت عليها أسماء أصحابها وهمست:
- كيف لا يتساوى الناس هنا؟
تذكروا أنها ترى في التجرّد والزهد تخلصنا من الشهوات والألم . . الآن رحلت تلك حياتها ولن يسمعوا صوتها يرن في آذانهم.
قال الأب بلهجة حازمة:
- المهم أننا سنواريها في مقبرتنا . .
انطلقت الجنازة، والتابوت يرفرف على الأيدي . . وبينما كان الجثمان يغيب في باطن الأرض جاءت سيارة تحمل وفداً رأى أن تجرى الإجراءات وفق طقوس أخرى . .
من أجل خلاص روحها فارتفعت ترانيم مرهفة . .
قال أحدهم: 
-يبدو أن سفارة بلدها القديم، لم تسمع بالنبأ أو أن الصلة بها قد انقطعت ارتفعت التسابيح والصلوات في العراء تحت السماء الشائعة . . اندفع شاب نحو القبر كان يعشق الأفلام الهندية، ويدمن مشاهدتها في دور السينما. أفلام بائسة تنجح في استدرار الدموع الحارة . . وها هو الشاب يرفع يديه ويتحرك رشيقاً خفيفاً دون أثقال . . وينبثق غناؤه جريحاً ساحراً ارتعشت أرض المقبرة التي من حجارة وتراب . . طارت أجنحة الكلمات في كل اتجاه.
وقف الناس مذهولين خاشعين . . تراءت لهم جدران عالية تتصدّع . . جدران تطوقهم، وتعزلهم عن الآخرين. وأحسوا أن المحبة هي الحياة الحقيقية لولاها لما كانت هناك قداسة وفرح على الأرض . . العقائد تنادي بالمحبة، فلماذا لا تكون جسوراً بين البشر؟